وقف فى مواجهة المؤامرة فهو أدرك رغم أعوامه الخمسة عشر أنه لا مفر من سلاح الغدر فى الأمام ومصيدة الخائن فى الخلف.. وقف شامخاً فى مشهد مهيب .. تكاد الثوانى تبطىء من عقربها لتشاهد هذه المحلمة .. وقف ثابتاً والموت على يد الغدر بات أقرب إليه من حبل الوريد ..

قرر أن يفارق الحياة واقفاً .. كما كان دائماً فى المدرجات فهو لم ينحنى هناك قط .. كان دائماً على العهد مرفوع الرأس فوق كرسى "التالتة شمال" ليناصر فريقه بكل ما يملك من قوة .. وقف مكشوف الصدر للغدر المدجج بالسلاح .. لم يتحرك ولم يهرول لمساعدة زملائه فى الخلف لتحطيم مصيدة الخائن ..

اقترب قطيع الغدر ..  وهو ما زال واقفاُ لم يأبى لتقدمهم وعددهم  .. واجههم .. رفض مطلبهم .. كيف يتنازل عن قميصه الذى يحمل شعاره ؟ .. شعار الكيان الذى ساهم فى صنعه هو ورفاقه .. يكاد الجماد من حوله يعنفه يصرخ ليتنازل عن قميصه الذى يرتديه .. كان يسمع النداء .. ولكنه رفض ..

لقد كان متمسكاً بمبادئه .. ومبادىء مجموعته .. لم يترك شعاره لذئاب الغدر .. رفض .. تلقى طعنه .. زادته عناداً .. توسل السلاح الذى يطعنه ليتخلى عن قميصه .. فالسلاح يستميت من أجل ألا يقترب من دمائه الطاهرة .. ولكن هيهات فهذا الفتى الصغير لم يفرط .. تحدى القطيع .. كانت كل طعنة تزيده صموداً وإصراراً .. ما سر هذا العناد ؟ .. أفقد عقله أم أنه قميصاً من ذهب ؟ .. أجاب عناده : " إنه شعار الكيان إنه الإنتماء .. الإنتماء الذى وجده مع إخوانه" .. قاوم محاولات الغدر لإنتزاع قميصه ..

 ألتفت حوله الذئاب من هنا ومن هناك .. خيل لهم أنه فريسة سهلة المنال .. ولكنه كان أسداً جريحاً  .. زأر فيهم: "فوق جثتى  سأموت وقميصى يلاصق جسدى إنتزعوا روحى أولاً" .. استشاط ذئاب الغدر غضباً .. كيف تهزمهم شجاعة هذا الصغير؟ .. قرورا الإنتقام .. جذبوه .. ذهبوا به إلى مرتفع .. هددوه .. الحياة مقابل القميص ..  رد:" لقد عاهدت" .. حملوه .. لم يكترث بهم .. فكانت فعلتهم .. ألقوا به .. وكانت كلمته الأخيرة .. كلمة هزت جبال .. " حبى ليك يا أهلى الموت هيوقفه " .
 
 إنها حكاية أصغر شهيد فى مجزرة بورسعيد
 
 أنس محى الدين