خرجوا مشجعين ، فعادوا مشيعيين ... هكذا ترن أذني كل لحظة عندما أشاهد الجميع من كل ما هو على أرض مصر يتحدث عن مأساة بورسعيد الماضية.

وفعلا عندما استمعت للجملة التي أراها بالفعل تلخص كل ما أريد أن أقوله، أعاني من دهشة كبيرة لقسوة القلب التي انتابت الجناة الذين لايمتون بصلة الى الرحمة والشفقة دون أدنى أشياء.

أبرياء والله وليسوا بلطجية من لقوا ربهم هناك في بورسعيد، أبرياء والله ومثقفين من مهندسين وشباب في عمر الورود ، أبرياء والله هم من خرجوا من بيوتهم يترقبون العودة للاستعداد للأيام القادمة، ولكن هاهي الدنيا ترينا حال من أحوالها وموقف من مواقفها، علنا نستعد لأننا معرضون في يوم ما الى ما تعرض له هؤلاء الأبطال.

الكل الأن يتاجر بأسم الألتراس، والكل الأن يتلون كالتماسيح والأفاعي من أجل ركوب الموجة، ولكن راكبي الموجة ومرتادي النفاق في الأعلام المصري لم يعلموا بأن القصاص لا دون عنه هو من يبحث عنه زملاؤهم وقبل أهلهم بكثير. وتعجبت كثيرا من الألتراس الذين رفضوا كلمة الحداد معلنين بأن الحداد لا ينفع، بل واجب العزاء هو مقدمة لانتظار ما ستسفر عنه تحقيقات لجنة تقصي الحقائق التي أراها مبشرة ومستدعية لهم للشهادة برأيهم وما شاهدوه قبل أي شئ وقبل أي حكم.

ووقف القاضي الذي يدير القضية يتمعن صفحات من بعض الأحداث التي مرت على هؤلاء الأبرياء. ويكي القاضي من هول منظر لم يتوقع أن يشاهده ولو حتى في أفظع وأصعب أفلام الرعب، فتى في عمر الورود لم يتجاوز عمره السادسة عشر مستشهدا وممثلا بجثته، وليسأل القاضي من يعرفه؟! فيجيب الأب المسكين بثبات هو ابني الصغير، أيقظني يقبلني ويطلب مني نقودا حتى يذهب الى ملعب المباراة.

أبادره بالتأني قبل الذهاب، فيجيبني بأنها مباراة لكرة القدم، وساعات قليلة ويعود، ويتعجب القاضي، ويصمت كل من في القاعة مستمعين، هل ذهب بالفعل الى مباراة كرة قدم، أم أنه لم يكن يعلم بأنه قريب من مذبحة مرت بالاسم في بحر البقر بالقرب من بورسعيد مرتكبا اياها اليهود، ويعود القاضي ويسأل ويتعجب، فالنيابة لا تعرف، والمحامي لا يعرف، والمترافعون مجهولون.

ويبكي القاضي ويجهش بكاء رابتا على كتف الأب، ولينطق القاضي بلسانه باكيا، ابنك راح مشجع، رجع مشيع يا حج، ربنا ينتقم من الظالم، ربنا يلعن الظالم، وربنا كبير ما بسيبش حد ... استيقظت الأن، ولا أعلم كيف تجرأت وتوقعت قاضي عادل في هذا الزمان، ولكنني لازلت متفائل، بأن حق هؤلاء الشهداء بأذن الله أبدا لن يضيع.