تنوع رائع بين كل الالعاب.. ونقص حاد فى المعرفة

اختتم اليوم جولتنا البحثية والتحليلة فى الاعلام الرياضى المصرى فى النصف الاول من القرن الماضي.. واركز على جانبين على درجة عالية من الوضوح ومن التميز وهما الصدق الكامل فى اغلب الاخبار والموضوعات والتحليلات والرؤي النقدية.. والتنوع الرائع فى الاهتمام بالالعاب المختلفة بين الملاكمة والمصارعة ورفع الاثقال والتنس والسباحة الى جوار كرة القدم وكرة السلة.. وهناك مساحات كبيرة ايضا لالعاب لا يمارسها الا النخبة مثل البلياردو ازاء ظهور بطل مصرى على المستوى العالمى وهو ادمون صوصه فى الثلاثينات.

تشابه الفاظ

الالهاء والالغاء

الحوار الدائر فى الاعلام الرياضي الان عن الغاء بطولة الدورى العام بات اقرب الى الالهاء.

الكل يرى قبل ان يسمع عن التوتر والفوضى فى الشارع المصرى وعن عجز الداخلية عن الاضطلاع بمهامها الاساسية فى حفظ الامن بنسبة 100%.

الالغاء والالهاء باتا مرادفين لمعنى واحد.

وهاتان الميزتان لم تخفيا امورا سلبية كثيرة كان على رأسها التباطؤ فى التغطية الاعلامية ونقص الاهتمام بالرياضة العالمية ومحدودية الحوارات.. ولا جديد حول نقص الجانب المعرفي فى تلك الفترة الرائدة.. وهناك الاف النماذج الصارخة على الاهتمام بالتفاصيل غير المهمة  وغير المفيدة على حساب المعرفة.. وهى الاهم فى كل زمان ومكان.

صحيفة المقطم نشرت فى 22 سبتمبر 1948 تحقيقا عن اقامة البطولة الاولى للدورى العام لكرة القدم تحت عنوان (الدورى العام لمناطق كرة القدم) كما يلي حرفيا:

كانت باكورة اعمال اتحاد كرة القدم اقرار مشروع الدورى العام لمناطق مصر.. وهذه خطوة جديدة لتجربة احتمال قوة اللاعبين وقدرة الاندية على التعاون فى حركة واسعة النطاق ثم امتحان لشهية الجمهاهير لهضم الوان جديدة من المباريات.

ولما كان هذا النظام يستدعى عمليا لتخفيف ضغط الكثرة من المباريات على الاندية ان تقسم الاندية درجتين كان لابد من الارتكاز على قياس معين لعملية التقسيم وقد وجد الاتحاد امامه اقرب الاقيسه وهو نتائج دورى الفصل الماضي فى كل منطقة من مناطق الدرجة الاولى القديمة.. ولو ان فى هذه مرارة البداية على الاندية التى وضعت فى الدرجة (ب) وما يسمى فى عرف هذا النظام بالقسم الثانى.

والى ان يوزع الاتحاد تفاصيل مشروعه هذا نستطيع ان نقول ان فى هذا المشروع فوائد ومضار وعقبات يجب تذليلها مع مراعاة هواية اللاعبين وعدم انقطاعهم للعب كما هى الحال فى الاحتراف الذى سلخ من انظمته هذا المشروع.. وكذلك قدرة الاندية ماليا لاحتمال الخسائر المالية التى تبدو من الان بارزة بخطورتها.

الى هنا انتهى موضوع المقطم.

ويبدو واضحا مما نشرته المقطم خلو الموضوع من اى زوايا معرفية مثل نتائج الفصل الماضى فى المناطق والمراكز المؤهلة من كل منطقة.. وما هو عدد الاندية التى ستشارك بالدورى العام واسماء تلك الاندية وما هو نظامه المتوقع؟ وما هى الاندية التى ستتضرر من ذلك النظام المفاجئ؟

الاعجب ان الموضوع لم يشمل اسم اى لاعب او مسئول او ناد وجاء من بدايته الى نهايته خاليا من اى اسم!!  

وفى 22 نوفمبر 1937 نشرت الاهرام اربع صور فى صفحتها الاولى لمباراة التنس الدولية بين الولايات المتحدة ضد فرنسا فى مسابقة كأس ديفيز فى ملعب الجزيرة فى القاهرة يومى 20 و21 نوفمبر ورغم ان الاهتمام الزائد بالتنس امر جيد وكذلك متابعة مباراة اجنبية فى القاهرة حدث ممتاز الا ان الوصف جاء مثيرا للغرابة.. ولم يعرف الصحفى نظام ولائحة المباراة التى تقام على يومين متتاليين لتشهد الاولى لقاءين فى الفردى وثالث فى الزوجى ثم تختتم بمباراتين اخريين فى الفردى.. وللاسف اعتقد الصحفى ان مباريات اليوم الاول لا ترتبط بالثانى.. وننتقي عددا من العبارات على سبيل المثال.

كانت حفلة المحترفين او قل حفلة اسياد اللعبة امس تختلف كلية عن حفلة امس الاول.. ولا ادرى لم هذا الاختلاف.. اللهم الا اذا كان من حيل المحترفين الواسعة ان يحرصوا على مفاجأة الجماهير ليتجدد الامل فيهم يوما بعد يوم.

هل لا يذكر الاحتراف نشاطه بعد ان نظم مسابقة بين قارتين اميركا واوروبا فى قارة ثالثة افريقيا.. فكان البائع والشارى غريبين والغارم للثمن ثالث ليس له لا فى التور ولا فى الطحين.

الاعلام الرياضى فى النصف الاول من القرن العشرين عاش مرحلة الظهور والانتشار ولكن دون ان يصل ابدا الى مرحلة النضوج.. واتسم بالصدق دون محاولات للتوعية او التثقيف.

اشهر نجوم الاعلام الرياضى فى تلك المرحلة هم ابراهيم علام وشهرته جهينة وهو من مؤسسي نادى المختلط (الزمالك) ومحمد شميس احد لاعبي الترسانة ومحمود بدر الدين ورياض شوقي وفكرى اباظه.. ومعهم القليلون من الصحفيين المتخصصين مهنيا والذين عملوا فى الرياضة امثال كمال نجيب.

ومجددا يحسب للاعلام الرياضى فى سنواته الثلاثين الاولى قدر رائع من الوطنية الكاملة فى كل شيئ مع الالتزام بالروح الرياضية ومساحة واسعة من الاعتدال وعدم الانحياز لناد او فريق.. الى ان حانت لحظة التغيير شكلا وموضوعا!!

وفى صباح 23 يوليو 1952 استمع الالاف فى مصر عبر الراديو لصوت الضابط انور السادات معلنا انتهاء الملكية وعزل فاروق وتولى مجموعة من الضباط الاحرار بقيادة اللواء محمد نجيب شئون البلاد.

ومع التغييرات السياسية فى مصر بعد حركة الضباط الاحرار فى يوليو 1952 تفاءل الرياضيون وجمهورهم خيرا خصوصا بعد اسقاط الملكية وما احاطها من فساد وبعد طرد الملك فاروق.. ورحل معه الكثيرون من اعمدة الرياضة فى مصر وعلى رأسهم الفريق محمد حيدر باشا رئيس اتحاد كرة القدم ورئيس نادى فاروق.. ولعب مجلس قيادة الثورة دورا فى اجراء تغييرات جذرية فى الرياضة بالحضور الدائم والجماعى للمناسبات والمباريات الكبرى لاسيما فى كرة القدم.. وتأثر الاعلام الرياضي ايجابيا نوعا وكما وشعبية فى البداية.. لكن الملاحقة البوليسية من جمال عبد الناصر بعد اطاحته بمحمد نجيب وانفراده بالرئاسة ومن نظامه الديكتاتورى للصحف والصحفيين قلبت الموازين رأسا على عقب من منتصف الخمسينات لتتحول للاسف الى الجانب السلبي.

ولأن القمع الاعلامى المتزايد كان متجها على وجه الدقة الى خصوم عبد الناصر من السياسيين لاسكاتهم او سحلهم او سجنهم او تصفيتهم..  فقدت اخبار السياسة مكانها عند القراء بعد ان ابتعدت عن الواقع والحق والمضمون.. وانسحب الصدق من الساحة الصحفية لتتصدر مواكب النفاق السياسي لعبد الناصر وثورة يوليو الساحة تماما.. وسعيا وعمدا لالهاء الشعب عن السياسة كان الاتجاه الاعلامى فى زمن عبد الناصر الى وضع كرة القدم والرياضة من ناحية والفن والطرب والسينما من ناحية اخرى فى صدارة الواجهةوتكثيف اخبارها.. وفيها ايضا كان التركيز على جمال عبد الناصر وسياساته وقراراته وبالطبع تراجع الصدق من الاعلام الرياضي سيرا على النهج العام للبلاد.. ومع زيادة الصحف والصفحات تقدم الاهتمام بالسبق الصحفى حتى ولو كان كذبا.

الصدق وهو القيمة الكبرى تراجع.. وأطل الكذب برأسه وهو الجريمة الاولى الى ساحة الاعلام الرياضى.

فى الحلقة الخامسة نبدأ تحليلا كاملا للاعلام الرياضى فى زمن جمال عبد الناصر من 1954 الى 1967.. علما ان عامى 1952 و1953 كانا بين افضل ما شهدت مصر فى اتساع المساحة وان غرقت كالعادة فى النفاق للسلطة.. اما الاعوام الاربعة بين نكسة 1967 ووفاة عبد الناصر فى 1970 فقد توارى الاعلام الرياضى خجلا وتضاءل الاهتمام به فى ظل انهيار عام شمل كل جوانب الحياة.

الاعلام الرياضي بين 1954 و1967 حفل بانتشار واسع محليا وخارجيا وصفحات وفيرة فى الصحف والمجلات التى تضاعف عددها مع رحلات للصحفيين وزيادة محطات وشبكات الاذاعة وظهور برامج رياضية على الشاشات.. ولكن الاولوية كانت دائما للنفاق مع تعصب وكذب!!

الاهرام ولقاء فرنسا واميركا للنس فى 22 نوفمبر 1937

- المقطم تقديم الدورى فى 22 سبتمبر 1948