اشرنا الى عدة ايجابيات مهمة فى الحلقتين الخامسة والسادسة السابقة الخاصتين بالاعلام الرياضى فى زمن الرئيس الثانى لمصر جمال عبد الناصر من 1954 الى 1967.. ونكمل اليوم ما بدأناه عن الايجابيات التى انعكست بالخير على الاعلام المصرى مثل الاهتمام بالصور الفوتوغرافية وزيادة اعداد الصحف والمجلات واتساع الصفحات الرياضية وظهور الكتاب الرياضي بغزارة.

تشابه الفاظ

الجوائز والعجائز

ما ابعد الفارق بين عظمة وقيمة الجوائز التى تنهمر بغزارة على نجم مصر والاهلى محمد ابو تريكه وبين جهل وبغض العجائز (قلبا) من اصحاب الاصوات المنكرة والاقلام المدنسة لهذا اللاعب الاسطورى.

كلما هاجموه وشوهوه وطالبوا بايقافه وشطبه او اعتزاله كلما ازداد لمعانا وتوهجا وجوائزا.

نفتح ملفات الايجابية الثالثة وهى الاهتمام بالمعلومات مع الاخبار وبالمعرفة مع الرأى وبالتحليل العلمى مع الوصف التفصيلي هى اكبر مميزات تلك الفترة.. وهى تمثل مع الانفتاح الواسع على اخبار الرياضة العالمية العمود الفقرى الذى نهض به الاعلام الرياضى لاحقا.

ونقدم لكم النماذج الواضحة للجانب المعلوماتى والتحليلي والعالمى فى الصحافة الرياضية المصرية وقتئذ.

الزمالك وريال مدريد

دعوة نادى الزمالك لابطال اوروبا ريال مدريد الاسبانى ونجومه دى ستيفانو وبوشكاش وخنتو وديل سول وسانتا ماريا للعب وديا فى القاهرة كانت محطة رئيسية فى ضرب عصفورين بحجر واحد.. الانفتاح على الرياضة والفرق العالمية والبحث عن المعلومات الغزيرة والجديدة عن نجوم ريال مدريد ضيوف مصر لمرتين فى عام 1961.

فى 25 نوفمبر 1959 سبقت صحيفة الجمهورية الجميع بصفحة كاملة عن توجيه الزمالك دعوته لريال مدريد.. وسلسلة من العناوين المثيرة وصل عددها الى ثمانية:

(دعوة نادى ريال مدريد للعب فى القاهرة.. نادى الزمالك يرسل الدعوة امس.. افتتاح ملعبه الجديد بمباراة مع ريال مدريد.. المباراة تقام الجمعة الثانى من فبراير.. دعوة خاصة لرئيس النادى بيرنابيه ليزور مصر.. 5 ايام يقضيها الفريق بالقاهرة.. وفر نقودك فان الاسعار خيالية.. النادى لن يلعب الا مباراة واحدة!).

سبق صحيفة الجمهورية وان سجل نصرا صحفيا كبيرا الا ان كل المواعيد المرتبطة بالزيارة والمباراة لم تكن صحيحة.. ولم يحضر الاسبان فى فبراير 1960 ولا فى افتتاح ملعب الزمالك.. ولكنهم حضروا بالفعل وبدعوة من الزمالك ولعبوا مباراة واحدة فى منتصف مارس 1961 اى بعد عام واربعة شهور من نشر الموضوع الانفرادى.. وعادوا مجددا فى منتصف شهر ديسمبر من نفس العام.

فى العاشر من ديسمبر 1961 وللمرة الاولى فى تاريخ الاعلام الرياضي المصرى خصصت صحيفة الاهرام صفحتها الثالثة كاملة للمباراة مع معلومات غزيرة عن النادى الاسبانى ولاعبيه وطريقة اللعب وصور لكل نجومه البارزين خلال تدريبهم على ملعب ستاد القاهرة فى اليوم الاسبق.

نجيب المستكاوى رئيس القسم الرياضي فى الاهرام (وهو رائد فى مسألة المعرفة والمعلومات والاهتمام بالرياضة العالمية) كتب الموضوع كاملا بقلمه تحت عنوان (القاهرة تشهد اليوم مباراة الجيل فى كرة القدم) (100 الف شخص يشهدون فى ستاد القاهرة ارفع مستوى وصلت اليه كرة القدم) (ريال مدريد اقوى فريق فى العالم يتبارى مع الزمالك).

كتب المستكاوى: اليوم عيد للرياضة والفن وفرصة العمر التى لا يستطيع من يضيعها ان يعوضها.. وما يضمن احد ان يري مرة اخرى دى ستيفانو وبوشكاش وخنتو وسانتا ماريا.. انهم خلاصة حضارات كرة القدم فى معاقل اللعبة فى العالم الارجنتين والبرازيل واوروجواى والمجر واسبانيا.
فريق اكتملت له عناصر التفوق الفنى وافراده بلغوا ذروة الكفاءة فى بلادهم فدفع فيهم ريال مدريد مئات الالاف من الجنيهات.. وسما بهم الى ذروة الفن الذى يهز المشاعر.

فريق اصبح اقرب الى الاوركسترا يقوده المايسترو دى ستيفانو ولابد ان نسمع منه اليوم الحانا شجية.. وكل ما نرجوه الا يعن للمايسترو ان يلعب السيمفونية التاسعة لبيتهوفن او السيمفونية الناقصة.

واخشي ان يقلب الزمالك المباراة الى مصارعة فتكون مصارعة ثيران وان الثور الاسبانى سيهتاج وينقض على الماتادور.. وحينئذ يعلم الله كم عدد الطعنات التى ستصيبه.

وفى تحليله الفنى سخر المستكاوى من الزمالك ومن الكرة المصرية عموما مشيرا الى ان الضيوف يلعبون 4-3-3 بوجود دى ستيفانو متوسط هجوم متأخر.. واستطرد الصحفى الكبير فى تحليل طويل لتحركات لاعبي ريال مدريد.

وانتقل للحديث عن الزمالك مشيرا الى المصريين يلعبون كرة القدم بلا طريقة ويتفرغون لمهمتين فقط (ترويض الكور الضالة ولعب الكور التى ننظمها بالعافية).

وفى اليوم التالى حرص المستكاوى على افساح الصفحة الثالثة كاملة مجددا للمباراة التاريخية مفتتحا موضوعه بثلاثة عناوين ضخمة (ريال مدريد يفوز على الزمالك فى كرة القدم 4-1) (عباقرة الكرة فى العالم يعرضون اسمى فنون اللعبة والزمالك يكافح ببطولة) (4 قذائف فى الشبكة و6 فى القائم و6 يصدها الدو منها 3 بمعجزة).

وعلى غرار الصحافة العالمية اجرت الاهرام مقارنة رقمية واحصائية بين ابرز نجمين فى هجوم الفريقين (بوشكاش وعلى محسن) واشارت الاحصائية الى تسديد بوشكاش 16 كرة على المرمى بينها 7 خارج المرمى وصد الدو 6 منها واحرز 3 اهداف بينما سدد على محسن 5 كرات بينها 4 بعيدة عن المرمى.

اهتمام اكبر

بعد المواجهة الاولى عاد ريال مدريد لمواجهة الزمالك مجددا فى 22 ديسمبر من نفس العام.. واحتفلت كل الصحف والمجلات باللقاء الثانى وتناولت المباراة من زوايا معلوماتية وتحليلة بعمق اكبر ومساحات اوسع.

صحيفة الجمهورية كانت الاغزر فى تغطيتها بصفحتين كاملتين لتقديم اللقاء وثلاث صفحات فى اليوم التالى مع قدر هائل من المعلومات وتنوع فائق فى التحليل.. وتولى عشرة صحفيين وخبراء مهمة التحليل والوصف والتعليق والبحث عن المعلومات (عبد الرحمن فهمى وناصف سليم ونور الدالى والديبة وعبد السميع وفاروق يوسف ومصطفى عبيد وديمترى اسطاموليس ومحمد الجندى وحلمى ابو المعاطى) وبينهم اربعة من اشهر نجوم الكرة المصرية من الثلاثينات الى الخمسينات.

ونال دى ستيفانو القسط الاكبر من المعلومات سواء بقصة انتقاله من برشلونه الى ريال مدريد مع تدخل فرانكو حاكم اسبانيا.. وحكايات عن النادى وعن رئيسه سانتياجو بيرنابيو واهم بطولاته وميزانيته.. وبينها زوايا طرقها الاعلام الرياضي للمرة الاولى.

وعقب المباراة كان السطر الاعلى من عناوين الجمهورية فى صفحتها الاولى مخصصا للمباراة (دي ستيفانو وبوشكاش يشرحان اسباب هزيمة الزمالك بسبعة اهداف).. وتحت عنوان لقطة الموسم كانت الصورة الرئيسية للصفحة ولاعب الزمالك محمد موسي يلاحق دي ستيفانو مع عنوان (يئس محمد موسي من سحر دى ستيفانو فامسكه بيديه!).

وتشابهت صحف الاخبار واخبار اليوم والمساء ومجلة اخر ساعة مع الجمهورية فى الاهتمام الفائق بالمباراة.. وجاء التحليل فى اخر ساعة لمصطفى حفظى علميا فى عمقه وشيقا للغاية تحت عنوان ( 7 اسباب هزمت فريقنا).. وكشف عن خمس سلبيات للمصريين هى نقص اللياقة الفردية وانتشار الفردية والانانية وعدم وجود احتياطى وقلة الانسجام بين اللاعبين وتفاوت عطاء اللاعبين بين المنتخب والنادى.. ومنح الضيوف جانبين مهمين هما الاحتراف الحقيقي وسمعته الكبيرة التى اصابت لاعبي مصر بالرعب.

قفزة معرفية كبيرة حققها الاعلام الرياضى فى مصر فى زمن عبد الناصر بعد اتساع المساحات والصفحات والنوافذ.. وفى الحلقة المقبلة نواصل الغوص فى اعماق المحيط الغنى بالمعرفة فى تلك الفترة.