الاغراق فى كرة القدم بداية النهاية للالعاب الشهيدة

فى الحلقات الخمسة السابقة قدمنا تحليلا موسعا للاعلام الرياضى فى زمن الرئيس الثانى لمصر جمال عبد الناصر من 1954 الى 1967.. وافسحنا مساحة واسعة للايجابيات الكبرى وعلى رأسها اعطاء الاهمية الكبيرة للصور الفوتوغرافية وابتكار الكاريكاتير الرياضي.. وزيادة اعداد الصحف والمجلات المصورة وتضاعف الصفحات الرياضية فى الصحف الحكومية مع دخول الرياضة الى الاذاعة..

تشابه ألفاظ

ضألة وضألة

عندما يتضاءل عدد الاحداث والمباريات والبطولات يتضاءل الصدق ويزيد عدد الاخبار الكاذبة والشائعات المضللة.

مصر بلا مسابقات محلية منذ الاول من فبراير 2011 ومع ذلك الاعلام والفضائيات انشط من مثيلاتها فى اسبانيا وانجلترا وايطاليا.

واكتملت الصورة الجيدة بالاهتمام بالمعلومات والمعرفة والتحليل.. وعرف المصريون المهتمون بالرياضة اسماء اشهر الاندية واللاعبين خارج الحدود مع الانفتاح على الرياضة العالمية.. وقدمنا الثلاثي الفذ للاعلام الرياضى محمد لطيف وعبد المجيد نعمان ونجيب المستكاوى بالاضافة لمجموعة اخرى من ابرز الاعلاميين والصحفيين..

وكشفنا عن اولى سلبيات تلك الفترة وهى النفاق الزائد للرئيس عبد الناصر ومجموعته ونظامه.. واليوم ندخل الى السلبية الجسيمة الثانية وهى الافراط فى التركيز على كرة القدم مع اهتمام بالغ بناديي الاهلى والزمالك وكأنه لا يوجد غيرهما فى الكرة المصرية.


الاغراق المؤسف من الاعلام على كرة القدم كان هو البداية لنهاية تواجد الالعاب الشهيدة فى الصفحات والصحف والمجلات الا عبر اخبار قصيرة او مبتورة.

فى دورة طوكيو

النموذج الاكبر والاغرب على قصور اهتمام الاعلام على كرة القدم نقدمه من تغطية دورة الالعاب الاوليمبية فى طوكيو 1964.. وشاركت خلالها مصر ببعثة كبيرة فى عدد وافر من الالعاب.. وتمثل الدورة الاوليمبية دائما قمة الرياضة فى العالم لاسيما فى العاب القوى والسباحة والجمباز..

ويلاحق الاعلام اشهر وامهر نجوم الرياضة العالمية فى الدورات الاوليمبية دون اى اولوية لكرة القدم خصوصا.. وانها كانت هابطة المستوى فى الاوليمبياد فى ذلك الوقت بسبب قصر المشاركة على اللاعبين الهواة فقط وغياب كل النجوم.

هذا الكلام او هذا المفهوم العالمى لا ينطبق ابدا على الاعلام المصرى الغارق فى كرة القدم.. رغم ان كل الصحف وبلا استثناء خصصت صفحتين على الاقل لتغطية الدورة واتسعت المساحة الى ملحق يومى من اربع صفحات وبينها صحيفة الاخبار.. وهى ارسلت احمد مكاوى خبيرها المتخصص فى كرة القدم فقط وكان لاعبا فذا فى الاهلى ومنتخب مصر الى طوكيو للعناية فقط بفريق الكرة ومبارياته دون اى عمل اخر.

الصفحة الاولى من الملحق الرياضى للاخبار فى السابع عشر من اكتوبر 1964 كان كرويا بنسبة 99% تماما مثل نتائج كل الانتخابات فى عهد عبد الناصر.

العنوان الاعرض والاعلى والاكبر فى الصفحة (اكتسحنا كوريا 10-صفر).. والعنوان الثانى حجما (مصطفى رياض يحرز 6 اهداف) والعنوان الثالث (واحد, اثنين, ثلاثة, اربعة, خمسة, ستة, سبعة, ثمانية, تسعة, عشرة).. والعنوان الرابع (الجدية حققت المستحيل.. وصعدنا الى دور الثمانية) واسفله العنوان الفرعي (انهار الدفاع الكورى امام الهجوم العربي).. وعنوان خامس (طريقة طرح الاهداف ادخلتنا الى دور الثمانية).. والاعجب جدا ان يكون العنوان السادس ورغم انه لا يتعلق بمصر عن كرة القدم ايضا ولكن لمباراة اخرى (فازت غانا على اليابان 3-2.. واسفله عنوان فرعى ساعد الدفاع احرز هدف الفوز).

ولم يكن غريبا ان تكون الموضوعات الثلاثة الكبرى فى الصفحة التالية مخصصة لكرة القدم.. وان تسيطر اخبار كرة القدم فى نفس الصفحة على اخبار عشرين لعبة ومئات المباريات والاف الابطال فى اللعبات الاخرى فى دورة طوكيو.

وحملت الصفحة الثانية من الملحق اغراقا جديدا فى كرة القدم مع تخصيص المساحة الكبرى من النصف الاعلى لموضوع ارشيفي عن النجم مصطفى رياض تحت عنوان (البطل مصطفى رياض.. صاحب الاهداف الستة) وعنوان اخر (من بولاق الى طوكيو فى 4 سنوات) وصورة ضخمة لوجهه على عرض عمودين وارتفاع 12 سنتيمترا.

وحتى يكتمل الاشهار لمصطفى رياض خصصت الصفحة له الفقرات العلوية الثلاثة (ويطلق عليها فى الصحافة كلمة الاشارات وهى مخصصة عادة للفت النظر لاهم ثلاث موضوعات او اخبار فى الصفحة).. اولها: مصطفى رياض هدافنا فى الداخل والخارج.. وثانيها: بدأ حياته يلعب الكرة الشراب فى بولاق وكانت اخر مباراة له فى طوكيو.. وثالثها: له شقيقان محمد رياض وحسن رياض.. الاول يلعب معه والثانى فى الناشئين.
والنصف الاسفل للصفحة به موضوع كبير ايضا عن الكرة ومنتخب مصر تحت عنوان (هيئة امم تدرب فريقنا الاوليمبي) وعنوان اخر اسفله يحمل نداء الى المسئولين عن الرياضة واتحاد الكرة فى مصر (انتخبوا مدربا كفئا وعينوه لعشر سنوات).. ومجموعة من الصور لعدد من المدربين الاجانب الذين قاموا بتدريب المنتخب فى الدورات الاوليمبية السابقة وهم بروشتش اليوغوسلافي وماجيار وفاندلر الهنجاربان وكين البريطانى وتوفيق عبد الله المصرى الوحيد الذى اضطلع بتلك المسئولية.

الازمة عامة

لم يكن الاغراق فى كرة القدم قاصرا على الاخبار او على دورة طوكيو الاوليمبية ولكن الامر كان مفهوما وسياسة عامة لكل الصحف والمجلات خلال تلك الفترة فى الخمسينات والستينات.. ولعلها سياسة حكومية او ملهاة مقصودة لجذب الشعب الذى تم تفريغه تماما من السياسة الى كرة القدم.

ودليلنا الدامغ على هذه السياسة ما جاء فى الاهرام النصف الاعلى من صفحتها الاخيرة لنشر مجموعة من الصور لاكثر من لقاء عادى جدا فى الدورى العام بين الاهلى والاوليمبي او الاسماعيلي والسكة الحديد (اكرر الاسماعيلي والسكة الحديد الصاعد من الدرجة الثانية فى الثامن من سبتمبر 1956).. ومباراة ودية جدا بين منتخبي القاهرة والاسكندرية بعد اسبوعين فقط اى فى الثانى والعشرين من سبتمبر 1956.. ولم يمر اسبوع اخر حتى كانت نفس المساحة مخصصة للقطات تهز القلوب وتلعب على وتر الجماهير واستغلال مشاعرهم.. وجماهير اللعبة واقفة على الابواب المغلقة لملعب نادى الترسانة وهى عاجزة عن الدخول بسبب ضيق مساحة المدرجات وازدحامها بالجمهور فى المباراة الدورية بين الترسانة والزمالك.. وفى الثامن من اكتوبر لنفس العام حافظت الاهرام على سياستها الجاذبة لجمهور كرة القدم بنشر لقطات من مباراة الاهلى والقنال فى الدورى على الصفحة الاخيرة. 

الامر لم يكن عشوائيا ولا لزيادة التوزيع لان الباحثين عن زيادة التوزيع لا يخصصون نصف صفحة كاملة لصور مباراة الاسماعيلي والسكة الحديد التى لم يحضرها فى المدرجات بالملعب اكثر من الف شخص الا وفقا لسياسة دولة.

صحيفة الرياضى الاسبوعية المتخصصة والتى دخلت السوق المحلى فى منتصف الخمسينات كانت الاكثر اغراقا على الاطلاق فى كرة القدم دون الالتزام على الاطلاق باسمها (الرياضي).. ولم تمنح كل الالعاب الاخرى غير كرة القدم اكثر من خمسة بالمائة من مساحتها عبر ثماني صفحات.. واعتقد مسئولوها انهم سيجذبون قطاعا عريضا من القراء عشاق الكرة بالانفراد بين وسائل الاعلام بالاغراق فى اخبار وموضوعات وتحاليل كرة القدم.. وكانت صدمتهم ضخمة عندما افرطت الصحف القومية فى اغراق كروى اكبر فلم تحتمل الصحيفة المتخصصة خسائرها واغلقت ابوابها.

وفى السابع والعشرين من نوفمبر 1959 لم يكن فى السوق المحلى عدد كاف او موضوعات مثيرة لكرة القدم فاتجهت الجمهورية الى تخصيص صفحتها الرياضية لقصة طريفة عن نجم عالمى لكرة القدم.. وبالطبع قدمت للقراء مجموعة من العناوين المثيرة (هداف كأس العالم يتحول الى اشهر مطرب عاطفى فى فرنسا.. قصة اكتشاف اللاعب فونتين كمطرب.. لم يهاب الجمهور عندما وقف على المسرح كمطرب لاول مرة) واكتمل الموضوع الباحث فقط عن الاثارة بثلاث صور منها اثنتان له كمطرب على المسرح وثالثة كلاعب كرة لابقاء حمى اللعبة عند الجماهير.

الصحيفة خصصت بقية مساحة الصفحة لكرة القدم تماما مع خبر عن كرة السلة لايزيد ارتفاعه عن 3 سنتيمترات.. ربما لذر الرماد فى العيون.

كم كانت جريمة شنعاء ارتكبها الاعلام الرياضى فى زمن عبد الناصر (ولا اشك لحظة انها كانت ضمن مخطط ومنهج اعلامى لالهاء الناس عن السياسة).. ودفعت الالعاب الاخرى الشهيدة ثمن تلك الجريمة.. ولا تزال تدفع الثمن حتى الان.

بعض النماذج لما كانت تكتبه الصحافة المصرية خلال عقدي الخمسينيات والستينيات