تابعت خلال الأيام القليلة الماضية مسلسل يحدث وسيحدث كثيرا مع مدربي أكبر الأندية والفرق في شتي أنحاء العالم، ألا وهو مسلسل رحيل حسام البدري عن الأهلي من أجل العمل في ليبيا وما تبعه من تصريحات وشد وجذب بين الطرفين وترقب من الجمهور الذي لم يعد يجد أحداثاً محلية تجذب انتباهه هذه الأيام برغم عودة "دوري الشركات" المسمى بالدوري الممتاز.

قد يعترض بعض المتابعين علي مسمي دوري الشركات - وهذا ليس موضوع المقال - ولكن لزم التوضيح إذ أصبحت المباريات لا تؤتي ثمارها بالشكل المطلوب بعد أن وجدت معظم الفرق نفسها تؤدي المباريات علي ملعب واحد او اثنين - ليست ملاعبها - وافتقدت المسابقة لأهم نقطة وهي اللعب علي الأرض وخارجها الأمر الذي يجعل أي مسابقة في العالم مثيرة ولكل فريق حساباته في نقاط المباريات.

وبالعودة لموضوع المقال، فذات يوم قابلني أحد أصدقائي الذين ينتمون بشكل متعصب للنادي الأهلي ويتابع جميع أخباره وألعابه الفردية قبل الجماعية ويعتبره بيته الذي نشأ فيه منذ صغره وقت ان كان والده يصطحب أسرته ويقضي يوماً كاملاً بين حدائقه وملاعبه، فشرب صديقي حب هذا النادي، وعشقه عشق الوليد لأحضان أمه.

هذا الصديق حدثني عن أمر لم يدر في ذهني من قريب أو من بعيد، صديقي أصبح يشعر بالإهانة وبالتحديد في هذه الأيام، وللوهلة الأولي تخيلت أنه يتحدث عن أمر سياسي وما يواجهه في الشارع والعمل وفي كل مناح الحياة الفوضوية التي يعيشها الشعب المصري.

لكنني فوجئت به يقول لي أن الأمر بعيد كل البعد عن السياسة التي أكد لي أنه كرهها وكره الحديث فيها، فوجدته يقول لي "إدارة الأهلي تهين هذا الاسم بشكل فج ولا تعي ما تفعل وتتصرف تصرفات غير مسئولة بالمرة" .. وبالطبع سألته عن معني هذا الحديث وما دفعه لقول هذه الكلمات التي صاحبها جو من الحزن والعصبية.

كان رد هذا الصديق صادما لي حين قال إنه علم أن إدارة الأهلي الحالية تتوسل لحسام البدري من أجل البقاء قائدا لسفينة الفريق، مطالبة إياه بعدم الرحيل في هذا التوقيت، مع الموافقة علي تحقيق كل مطالبه، وفي النهاية وعد البدري بالبقاء "ظهراً" وقرر الرحيل "مساء" نفس اليوم ! تعجبت وسألت نفسي " منذ متي وإدارة الأهلي تتوسل لمدرب؟ "

قد تقوم الإدارات التي تعاقبت علي الأهلي - رغم قلتها - بالمفاوضة أو التحقيق أو البحث عن بدائل في سرية شديدة، فعادة هذا النادي منذ أن عرفنا كرة القدم هي التكتم الشديد علي أخباره ومشكلاته، وعدم التمسك بمدرب أو لاعب أراد ترك السفينة في عرض البحر ولنا في التوأم حسن وعصام الحضري وابراهيم سعيد أمثلة صارخة، في عدم توقف تلك السفينة عند تخلي أي فرد من أفراد طاقمها عن البقاء فيها.

ومع كامل احترامي للبدري وإدارة الأهلي، إلا أن الواقع يقول أن الأهلي يسير من سيء إلي أسوء وقد لا يتقبل البعض هذا الحديث، لكن بالأرقام والحقائق الأهلي أصبح يعاني في كل ركن من أركانه وأصبحت الأمور تدار بعقلية قديمة، عقلية المتسول الذي يرضي بقليله.

ليس هذا الموسم ولا حتي الماضي، لكن تعاقد الإدارة الأهلاوية مع البدري كان مفاجأة للجميع من البداية وقت رحيل مانويل جوزيه، وأثبتت الأيام أن فريق الكرة أصبح بلا هوية، فلا تشكيل ثابت ولا تبديلات مجدية تغير من نتيجة ما أو حتي من أداء وهي تراكمات سنوات قليلة مرت وكان الاستثناء الوحيد خلالها مباراة الترجي في تونس التي منحت الفريق كأس أفريقيا الموسم الماضي مع تحفظي واحتفاظي ببعض الأسباب التي نتج عنها ما قدمه الأهلي في تلك المباراة.

لأول مرة منذ سنوات يشعر الجمهور الأهلاوي وغير الأهلاوي بالملل وإهدار الوقت في مشاهدة مباريات الأهلي التي كان الجميع ينتظرها مهما كانت قوة أو ضعف المنافس، فمنذ متي وهذا الفريق يخسر بالثلاثة ويتلقى الهزيمة في مباراتين مع بداية الموسم وأصبح فريقا عاديا ؟! هل كانت إدارة الأهلي تنتظر أن يعود الفريق لسنوات عجاف سميت بسنوات "الأربعات" وقت أن كان الأهلي في مرحلة لا يحب جمهوره أن يتذكرها أو يعود إليها مرة أخري؟!

علي الرغم من تصدر الأهلي لمجموعته - وهي صدارة خادعة - أثبتت المباريات وشكل أداء وحجم عطاء اللاعبين فيها أن ما كان مانويل جوزيه يقوم به هو الأفضل لأي فريق كبير يبحث عن الألقاب والوقوف علي منصات التتويج في أي بطولة مهما كان حجمها، ووقتها خرج علينا المتشنجون وأطلقوا نغمة أن الاهلي يقوم بتفريغ الأندية حتي لا يكون هناك منافسة وهو منطق مغاير للواقع علي مستوي العالم، فهل مطلوب مني أن أملك المال لشراء سلعة ما أحتاجها ثم اغض البصر عنها ليستفيد منها الآخرون وليتهم يستفيدون!

الأهلي لعب بدون أبوتريكة وجدو وأحمد فتحي وهم ثلاثي هام جدا للفريق، وظهرت آثار ذلك في عدم ملأ فراغهم من حيث جماليات الأداء وقوة الخطوط وترابطها، ولن أخوض في هذا الأمر كثيرا لأنني من أنصار احتراف اللاعبين خارج مصر، ولكن الفراغ الذي تركه الثلاثي يؤكد أنه ليس عيبا أن يبحث النادي عن بدائل لمركز يسبب إزعاجا لأي مدرب بل والتعاقد مع من لا يقل كفاءة عن الأساسي وهو ما قام جوزيه وسطر وقتها نتيجة هذا تاريخا ذهبيا للأهلي في فترة توليه قيادة الفريق.

فشل إدارة الأهلي في إقناع الجمهور بما تقدمه - رغم أنها لم تقدم شيئا يذكر سوي بمجهود لاعبين قدموا كل شيء - جعل مدرب - في رأيي الشخصي أنه أخذ هذا اللقب بالمصادفة - جعله يتلاعب بإدارة وجماهير أكبر أندية مصر وأفريقيا ويثير استياء الكثير من عشاق الأحمر فتلك هي الإهانة التي تحدث عنها صديقي الأهلاوي.

البدري قرر القفز من السفينة في الوقت الذي انهار أداء الفريق وأصبح مطمعاً للكثير من المنافسين مهما كان حجمهم سواء محليا أو قاريا، ولم أعهد طوال السنوات التسع الماضية جمهور الأهلي يضع يده علي قلبه مع كل مباراة يلعبها الفريق حتي في دوري الشركات الحالي - كما اتفقنا علي المسمى -  فأين الخلل؟!

مؤكد سيقول البعض أن حسام البدري قدم بعض الوجوه الجديدة في الفريق وأصبحت نواة جيدة لفريق المستقبل، وهي نظرة بعيدة كل البعد عن المنطق الذي يقول أن هؤلاء اللاعبين الصغار كان أمر الاستعانة بهم آتٍ إن آجلاً أو عاجلاً لأنهم بالفعل يستحقون شرف الدفاع عن شعار الأهلي فالمسألة "مش عافية".

خلاصة الكلام أن ما يشعر به جمهور وعشاق الأهلي من إهانة إدارته لهذا الإسم هو أمر فاق الحد، وأقول عشاق الأهلي لأنهم بالفعل من يعرفون ناديهم جيدا وكيف يتعامل في أدق وأبسط الأمور وقت أن كان الجميع يعلم علم اليقين أن هناك مشاكل بالجملة داخل أسوار هذه القلعة ولكن لم يكن ليجرؤ أحد علي نشرها علي الملأ مثلما يحدث الآن .. إذا أردت أن تعرف السبب ابحث عن الإدارة.