برافو برادلي .. تحية واجبة أبدأ بها مقالي الذي ستجده عزيزي القاريء يحتوي علي العديد من كلمات التعجب، وعلامات استفهام كثيرة أثارتها نبرة النقد اللاذع التي واجهها مدرب منتخب مصر في الفترة الأخيرة .. تلك الفترة التي شهدت تحولاً غير مسبوق لملك أفريقيا علي مستوي تصفيات كأس العالم.

برادلي تحمل ما لم يتحمله أحد في ظل الظروف التي تمر بها مصر بشكل عام، والكرة بشكل خاص، إذ قرر الأمريكي مواصلة المشوار مع منتخب الفراعنة واحترام عقده، ولم يلتفت لكل كلمات التحذير والترهيب التي خرجت من سفارة بلده للرعايا الأمريكيين وخطورة تواجده في بلد تعم بها الفوضي في كل شبر وشارع وحارة !

برادلي - سيء الحظ - تحمل مسئولية منتخب مهلهل نال اللقب تلو الآخر، ثم انحرف عن المسار وأصبح مطمعاً للمنتخبات الصغيرة قبل الكبيرة، واكتمل السقوط وغاب حامل لقب أمم أفريقيا عن النسختين الأخيرتين من البطولة في سابقة لم أشهدها أنا شخصياً، وكان علي هذا المدرب جمع ما تبقي من حطام السفينة في زمن قياسي، ووسط ظروف قاسية جداً لم يكن ليلومه أحد إذا فشل وتغلبت عليه تلك الظروف.

إستمد بوب برادلي روح التحدي من تلك الظروف، وقرر مواصلة مشواره مع منتخب مصر الذي كانت أغلب عناصره قد تقدمت سناً وتراجعت مستوياتها البدنية والفنية بفعل توقف النشاط الكروي في مصر لفترة ليست بالقصيرة، ناهيك عن الأجواء غير الطبيعية التي عمل فيها برادلي والتي غلفت مصر بالكامل وليست الكرة فحسب.

نجح برادلي في بناء منتخب جديد لمصر خلال فترة زمنية قياسية، ونزل بمعدل أعمار الفريق إلي أدني مستوي شهده علي مر تاريخه، مع تطعيمه بأصحاب الخبرات والمهارات "المفيدة فقط" رغم تخوف الجميع من تلك الخطوة وهذا التوقيت، إلا أن الواقع قال كلمته وتمكن المغامر الأمريكي من قيادة سفينة الفراعنة لصدارة مجموعته في تصفيات مونديال البرازيل.

وبالأرقام والحسابات، فمنتخب مصر الحالي حقق نتائج في التصفيات هي الأفضل علي مستوي القارة سواء نقطياً أو تهديفياً، ولنتذكر سويا أننا لم نشهد يوماً - في أي تصفيات - الفراعنة يفوزون ذهاباً وإياباً، ففي الغالب كانت الأمنيات أن يعود منتخب مصر بنقطة التعادل من خارج الأرض حتي لو كان المنافس متواضع المستوي وغير مصنف، ووقتها كان بمثابة تعادل بطعم الفوز.

روح الفوز في أي مكان دبت أخيراً في عقول المصريين، فالفريق أصبح يتقدم بهدف خارج أرضه ويريد المزيد وكأنه يلعب علي أرضه، وبالعودة للوراء قليلاً، سأذكركم أن المنتخبات والفرق المصرية كانت ولا تزال تتراجع للدفاع فقط بعد أن يصادفها الحظ وتسجل هدفاً خارج الأرض، وتلعب كأنها تسكن قلعة يجب القتال من أجل ألا تسقط في يد الأعداء !

كل ما سبق كان مجرد مقدمة ليتذكر أصحاب الأبواق والعقول المريضة أن وضعية منتخب مصر الآن عادت بشكل كبير للمكانة التي كان عليها سواء علي مستوي القارة السمراء أو حتي العالم، هؤلاء ورغم كل ما سبق من سطور حملت معها نبرة الفرح بنجاح برادلي، تفرغوا للانتقادات الغريبة بل أن بعضهم شن حملات "تقطيع" غير مبررة في وقت يحقق أبناءه الفوز تلو الآخر !

شخصياً، فضلت ألا أتحدث وتأخذني الشجاعة مبكراً وأقوم بالثناء علي ما قدمه ويقدمه برادلي، فقد تكون وجهات نظر منتقديه صحيحة وأن ما تحقق في البداية مجرد "هوجة" ستنتهي سريعاً، إلا أن النتائج أكدت أن الرجل صاحب فكر وروح تحدي وفنيات - لن أخوض بها – رجل يملك "الأناقة" حتي في تصريحاته، إذ لم يقم بالرد ولو بكلمة واحدة علي أي جملة نقد وجهت له، ربما من شدة اندهاشه وهو يستمع لعقلية هؤلاء !

الفوز داخل الأرض وخارجها وتحقيق النقاط الثلاث في "حصالة" المجموعات، هي الأمور الأهم من الأداء خلال أي تصفيات رغم أنه - في رأيي الشخصي - ليس بهذا السوء الذي صوره البعض، فالثغرات الدفاعية موجودة بالفعل ولكنها واردة في ظل النزعة الهجومية التي تملكت من الفريق ككل، ولوجود عناصر جديدة غاب عنها الانسجام لفوارق الخبرات لكن تبقي النقاط الثلاث هي الهدف الأول والأخير.

نقطة أخري لم يلتفت إليها من حملوا لواء محاربة النجاح ألا وهي أن المنتخب المصري تراجع بشكل مخيف في الآونة الاخيرة في تصنيف الفيفا بعد أن كان الجميع يفتخر بوجوده ضمن الكبار طوال أربع سنوات أو أكثر، لكن الانتصارات التي تحققت في الفترة الأخيرة ستدفع به مرة أخري للأمام وإن كان سيظل بعيدا شيئاً ما عما سبق لكنها في النهاية نقطة ضمن النقاط الإيجابية.

يا هواة الصيد في الماء العكر، كفاكم تضليلاً واتركوا من يعمل يعمل، ومن ينتج ينتج، ونظفوا بيوتكم قبل أن تطالبوا غيركم بتنظيف بيته، فأنتم السبب الرئيسي في تحول الشعب المصري لمحللين سياسيين ورياضيين، وسبباً أيضاً في تحول الشارع لدار إفتاء كبيرة يتنتقد من فيها غيرهم، ويلقون بالاتهامات علي الغير دون دليل أو سبب مقنع.

بالعربي الفصيح، ياريت كل واحد يخليه في حاله ويتكلم في اللي يفهم فيه، وعلي رأي المثل: مالقوش في الورد عيب قالوا يا احمر الخدين !