وقت أن كنا في مراحل العمر الأولي، تعلمنا في المدارس وبالتحديد أثناء حصة اللغة العربية، أن "كان" وأخواتها أفعالاً ناقصةً، أي لا تتم الفائدة بها وبالمرفوع بعدها، وتركنا التعليم لتندرج "كان" تحت وصف أنها فعل ماضٍ ولكنها لم ولن تكن مهما طال الزمان بما تبعها من أفعال.

ورغم عدم الفائدة من الأفعال "الناقصة" بحسب ما تعلمناه، إلا أنني شاهدتها بالفعل يستفيد منها بعض المحسوبين علي الإعلام في ثورة تشوية لم تكن الأولي ولا هي الأخيرة لنجم طالما أسعدنا وأسعد الكثيرين في وطننا العربي بأخلاقه وشعبيته وتواضعه وأهدافه المؤثرة. 

محمد أبوتريكة صاحب الاسم الأشهر محلياً ودولياً، هو نفس الشخصية التي كانت ولاتزال الأفضل والأنقي والأمهر في تاريخ الكرة المصرية والأفريقية، وقد تكون العالمية إن لم أكن مبالغاً، هو الشخصية التي لم تكن يوماً مثيرة للجدل ولا يبحث الجميع وراءه عن أخبار تكاد تكون عادية، في الوقت الذي غيره كان يرتع في ملاهي مصر الليلة ويسهر في شوارعها للصباح ولم يتعرض لهم أحد سوي ببعض الصور علي طريقة صحافة الباباراتزي. 

وبرغم نفي الأهلي الرسمي، إلا أن طريقة تناول ونشر البعض لواقعة – وبحسب ما قيل - أن أبوتريكة تطاول علي أحد ضباط الجيش في مطار القاهرة وقت وصول بعثة الأهلي من الكونغو، كانت تثير تلك الطريقة بداخلي الاشمئزاز والقرف، لكنني في ذات الوقت لم أكن متعجباً فهذا هو الحال الذي وصلنا إليه، الجميع يسب ويشتم ويهين ويجامل بلا حساب. 

صحة الواقعة من عدمها ليست تلك القضية، ولكنها في طريقة النقد التي شاهدتها من البعض ولغة التشفي الغريبة رغم أن هؤلاء لم يروا ولم يسمعوا حتي يتثني لهم التأكد من أن الأمر حدث بالفعل بما فيها الصحفية "الغراء" التي نشرت الخبر، وحتي إن تأكد الجميع وعلموا بما قاله أبوتريكة، إلا أنه لا يصح سبه والتشفي فيه ولا أن تصل الأمور لوصفة "بالزبالة" من أحد المحسوبين علي الإعلام ومن تبعه، لكنه أمراً ليس مستغرباً علي ما نراه الآن وما يسمي باللغة الدارجة "مولد وصاحبه تايه". 

جميعنا لديه من الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل من يختلف معهم سواء سياسياً أو رياضياً أومهنياً، وقد يصل الاختلاف أحياناً للصوت العالي أو التهكم ولكن هل قام أحدكم بالتشهير والسب والإهانة والتحريض علي أي من هؤلاء  ثم البحث عن صورة لتشويه من كانوا يوماً رفقاء ولا يربطكم بهم إلا كل خير؟!  

من أجل الحق والتمسك بالمباديء، كنت يوماً ومازلت مطالباً بغلق بعض القنوات مثلها مثل القنوات التي كانت يوماً تحرض علي القتل وسفك الدماء - فهذا محرض وذاك أيضاً محرض - مع وضع معايير معينة ومشددة تسير علي نهجها جميع القنوات الخاصة سواء الرياضية أو السياسية أوالإخبارية أو حتي الكوميدية، ليعرف الجميع قيمته و"مقامه" وسط جمهور المشاهدين إذا ما حاول التخلي عن النبرة المثيرة للجدل ووقتها لن يتابعه أحد لأنه مفلس. 

محمد أبوتريكة لم ولن يكون "كان" .. لن يكون فعل ماضٍ مهما طال الزمن .. لن تنل منه أي من الأفعال "الناقصة" التي أصبحت تلون حياتنا في كل شيء وخاصة الإعلام الذي أصبح يبحث عن الإثارة فقط دون مراعاة قواعد المهنية في عرض المواد المسموعة والمرئية والمقروءة، في مقابل زيادة نسبة المشاهدين وحديثهم عنها وتناقلهم لتلك الأخبار من أجل البحث عن المزيد من الشهرة. 

شخصياً أملك من الأصدقاء الكثيرين في عدد من البلدان العربية، وهم بمثابة أشقاء لي، وأسفت كل الأسف وأنا أراهم هم من يرسلون ويتصلون بي ويدافعون عن أبوتريكة بعد حملة التشويه التي رأيناها في الوقت الذي قام أبناء بلده بسبه وإهانته بصورة هو شخصياً لم يشهدها حتي في مباريات الكرة من جمهور أي من منافسي الأهلي، وهذا أيضا ليس مستغرباً، فمن قتلوا جنود مصر علي الحدود هم أيضاَ مصريين  ! 

الأفعال "الناقصة" هي الأفعال التي لا يأتي منها إلا المضارع والماضي، هي أفعال شوهت كل شيء في ضمير أبناء هذا البلد، لم تترك أحد .. كبير كان إو صغير، من رجل إلي امرأة، من شيخ إلي طفل .. ومع ذلك لن يصبح أبوتريكة مضارعاً ولا ماضٍ، بل سيظل حبيب الملايين حتي ولو كانوا من خارج بلده. 

أفعال الصحافة والقنوات إياها الناقصة كمن ينظف بيته بأي وسيلة ليراه الناس في أفضل صورة، في الوقت الذي يلقي بالقمامة من الشباك وليس مهماً علي من يلقيها ولكن الأهم ان يظهر هو في صورة "كامل الأوصاف" وهو أصلاً ناقص !