"الأوله آه.. والتانيه آه.. والتالته آه..."! وحتى إن زادها بيرم التونسي إلى ست مرات بعدد أهداف كوماسي، فلن تكفي..!

فلنقولها ألاف المرات حتى نعبر عن واقع حال تعيشه مصر اليوم.. فالخسارة هذه المرة، ليست كما تبدو لنا مجرد هزيمة في ملعب كرة قدم، أو إخفاق في تأهل كان وشيكاً لنهائيات كأس العالم، فالأمر أعمق من ذلك بكثير.

إنتظرت طويلاً قبل أن أكتب حتى أهدأ فأبتعد عن العاطفة التي تحركنا غضباً أو فرحاً.. قرأت الكثير مما كُتب عن ملهاة كوماسي.. فالمناسبة فرصة عظيمة لا تُفوت لأن ندون أسماءنا في لائحة رثاء طويلة، تنافس في طولها معلقات إمرئ القيس وعمرو بن كلثوم.. قائمة زاحمت فيها أوساط السياسة والإجتماع والفن، أهل الرياضة.. وعلى ما يبدو أننا لا نجتمع ونلتف إلا عندما يكون "الصفر" كبيراً، والمصاب جللاً..

هذا هو "الصفر" الثالث المدوي الذي نناله خلال عقد من الزمان، والعالم علينا شاهد.. الأول في مايو 2004 ببيت الفيفا في زيوريخ عندما تصدينا لطلب إستضافة مونديال 2010، والثاني في خريف 2009 عندما خضنا معركة رخيصة هوجاء مع الأشقاء في الجزائر، والثالث ها نحن نسطره اليوم بأيادينا قبل أقدامنا، هائمين ما بين حلم البرازيل وكابوس كوماسي..!

الصفر الأول عكس شيخوخة وطن في التفكير والتخطيط والتنفيذ.. والثاني صنعته دوائر الساسة وجهالة الإعلام.. أما الثالث فجاء تعبيراً صادقاً لواقع بلد وصلنا فيه اليوم بالفعل لصفرية الرقم..!

قلنا عن الأول الفيفا فاسد.. وفي الثاني الجزائريون بلطجية.. أما في الثالث فالغانيون أستعانوا بالسحر والمنشطات وبدعاء الأخوان..!

يعني في الثلاثة "إحنا براءة"..!

لا نريد أن ندرك أن ما حدث هو جزء من الكل، جانب من لوحة تعبر عن حياتنا، إمتداد طبيعي ومنطقي لحال إنهيار تعيشه مصر سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً، وبالتالي ما الذي يمنع أن يكون رياضياً أيضاً..؟!

نعم هناك أسباب للخسارة بالستة داخل الملعب وفق قواعد اللعبة، بداية من سوء تقدير قوة الخصم والهدف من المباراة، إلى التشكيل غير المناسب والأخطاء الدفاعية.. لكن هناك أسباب أخرى عديدة أكثر تأثيراً خارج حدود الملعب، والجميع مشاركون فيها بدرجة أو بأخرى، أهمها وضع عام أدى إلى توقف نشاط دخلنا موسمه الثالث، مع عدم وجود قاعدة محترفين حقيقية كتلك التي تمتلكها دول القارة.. ولا يمكن تجاهل تأثير مناخ الإنقسام الحاد الذي يعيشه المجتمع المصري، فالتصنيف لم يعد مقصوراً على مسلم ومسيحي بعد أن تجاوزه إلى إخواني وسلفي وليبرالي وعلماني.. ووضع إقتصادي قاس يعصف بالغني والفقير على حد سواء.. وفوضى أمنية لم يعد الزي فيها مهماً، لا تفرق بين ثائر متظاهر يحمل لافتة، وبلطجي يحمل الخرطوش.. تطورنا من قذف المولوتوف إلى إستخدام الآلي، والبلطجية صاروا أهالي، وكل الألتراس "بلاك بلوك" أو "بلاك لست" قل ما شئت.. وبالقانون صارت المفاضلة اليوم أن نختار بين هيبة الدولة أو كرامة المواطن.. وكأن الأثنين لا يجتمعان..!

مصر كلها تحولت إلى ساحة معركة بين "فتوات" و"حرافيش" نجيب محفوظ.. شمر عن ذراعيك واضرب، ومن لا يضرب، "ينضرب"..!

وسط أجواء كهذه، طبيعي أن يتحول برادلي من مدير فني أخطأ، إلى عميل "أمريكاني" ينفذ خطة السي آي إيه للتنكيد على شعب مصر، بمساعدة أبوتريكة "الإخواني"..!

ورغم إدراكي لذلك كله، أعترف أنني قبل المباراة كنت أحمل بداخلي بصيصاً من أمل، لكن التفاؤل سرعان ما تحول ليلتها إلى تشاؤم، عندما وجدت إعلامنا الذي لا يتعلم من أخطائه، يسابق الزمن ليجعلنا عبر ساعات بث طويلة إمتدت حتى الفجر نعيش ترتيبات فرح التأهل في لقاء القاهرة، نفس الرموز من المذيعين والمحللين الذين باعوا لنا الوهم في الخرطوم، ها هم يبيعونه لنا مرة أخرى في كوماسي..!

ربما كان أطرف تعليق يعبر عن وقع الصدمة بين ما قرأت بعد المباراة، كان لوزير رياضتنا طاهر أبو زيد عندما قال: "أشعر أن نتيجة المباراة كأنها عمارة وإنهارت فوق رأسي.."!

أشاطرك ذات الإحساس يا معالي الوزير، لكن المشكلة أنني بت أشعر في كل يوم وكل لحظة أن ما ينهار فوق رؤوسنا الأن هو بلد بأكمله، طالما أن حكومتك لا تمتلك رؤية واضحة وأولويات محددة.. ولو حدث وإمتلكتهما قبل الإياب وعاد الوطن حاضناً للجميع كما كان دوماً.. حينها فقط يمكن أن تنهض مصر وتفوز 5/صفر..!