رغم أن مليارات البشر يعيشون فوق أرض واحدة إلا أن فئة من هؤلاء نجحوا في صنع عالم خاص بهم متقدم بالعلم والثقافة والتكنولوجيا وأصبح هو العالم الأول، ورفض جزء أخر من مليارات البشر أن يكتفي بالمشاهدة وبدأ بالفعل رحلة اللحاق بمن سبقوه وهذا هو العالم الثاني، أما العالم الأخر.. العالم الثالث فاكتفى بالمشاهدة فقط عبر قناته الثالثة.

في إطارنا الرياضي اللامحدود سنجد أننا نعيش في قاع العالم الذي يكتفي بالمشاهدة، وبشكل أوقع نحن حتى لا نستطيع أن نشاهد مثلما يشاهد العالم، حتى مع تصديرهم لنا كل أنواع التكنولوجيا والثقافة.

فقد رضى المواطن المصري على المستوى الرياضي بالمشاهدة فقط، في ظل غياب منتخب بلاده عن أي بطولة لكأس العالم منذ 24 سنة، لعله يشاهد دوري محلي على مستوى جيد يقدم من خلال خدمات تلفزيونية عملاقة بما أن الملاعب مهجورة والمدرجات غير متاحة.

والأمر لا يبدو صعباً على الإطلاق، فأنت كمسئول لن تفكر ولن تجتهد، عليك أن تنفذ فقط التكنولوجيا العالمية في نقل مباريات كرة القدم، لا تكلف نفسك عناء أي شيء سوى جلب المُعدات والخبراء وتجلس لتشاهد مثلنا!، ولكن هذا حتى لا يحدث.

فإذا كنت تشاهد الاستوديو التحليلي للدوري المصري فلا تنتظر أن تسمع تحليل فني وخططي للمباريات وأداء اللاعبين فهذا لا يهم،عليك أن تستعد لتستمع إلى بعض الأمثال الشعبية في الحديث الساخن عن أزمة البث الأبدية مثل "عايزين ينوبنا من الحب جانب"، و"من جاور السعيد يسعد" وبالطبع هذا تعليقاً على نجاح الأهلي في تسويق مبارياته بعيداً عن التلفزيون المصري مقابل 41 مليون جنية.

ستجد شعارات الأندية المشاركة في مباريات اليوم على برواز خشبي صغير يباع على رصيف العتبة بالقاهرة مقابل 2.5 جنية خلف رأس المذيع مباشرة، ستجد إضاءة غرفتك أفضل بكثير مما تراه على الشاشة المظلمة التي تطل من استوديو فقير يفتقد حتى الإضاءة المتوسطة.

ولكن هناك عوامل إيجابية يجب أن نلتفت إليها، فعندما انتقدنا التلفزيون المصري من قبل بسبب "السجادة الشعر" التي من المفترض أنها جزء من ديكور جمالي في الاستوديو وليس في غرفة معيشة، تمت الاستجابة السريعة من السادة المسئولين ووضعوا سجادة أخرى بغرض "الفشخرة" والتباهي بالإمكانيات العالية واللمسات الفنية في وضع الديكور، الحمد لله أصبح عندنا بدل السجادة اتنين.

الاستوديو التحليلي المُظلم للدوري المصري الذي لا تزيد مساحته عن متر في متر لم يكن هو الأسوأ، فعلى الرغم من كل ذلك رضينا بالهم، ولكن الهم لم يرضى، وذلك بعد إبداع الإخراج الذي فضح كل عيوب الاستوديو وارتكب عدة أخطاء أقلها عرض لقاءات الملعب عن طريق Two Window أحدهما مسلط على المقدم الذي يشاهد في صمت اللقاء ويحاول أن يهرب من الكاميرا أحياناً ويبتسم في وجهك أحياناً وعلى النصف الأخر من الشاشة هناك من يتحدث عن المباراة في وادي أخر تماماً، ولا عليك أن تسأل عن السبب، مش فارقة كتير.

لن نتحدث عن التحليل الفني حتى لا يتم إساءة الفهم بأنه هجوم شخصي ولكن يكفيك أن تسمع الرأي المرتقب من السادة المحللين والمقدم بشأن لاعب الأهلي الجديد موسي يدان، التعليق على مشاركته الأول فقط كان أنه لاعب "قِلة" وبالطبع لاتسأل أيضاً، إنهم يتكلمون كفنيين.

كل هذا عادي، نعم عادي، أنسيت أننا في العالم الثالث؟، لكن الغير عادي هو أن يفوز التلفزيون بحقوق الدوري حصرياً ثم يحجب إذاعة مباريات الدوري من أجل بث برنامج "أهداف الأسبوع مع الثعلب" ويكتفي بمباراة الأهلي وإنبي وفقط.

ولكن بصراحة هناك عوامل إيجابية من عدم الإنصاف ألا نلتفت إليها، فكما نشاهد الاستوديوهات ذات الحوائط الزجاجية في قلب ملاعب أوروبا الكبرى من خلال القنوات العربية والأوروبية الناجحة، شاهدنا نفس الاستوديو في الدوري المصري، ولكن بخلفية كوبري أكتوبر والنيل، وهنا تأتي الاستفادة القصوى من مشاهدة الاستوديو التحليلي خاصة عندما تكون مرتبطاً بميعاد في وسط القاهرة، فالأن يمكنك معرفة أن كوبري أكتوبر "زحمة ترس" فتؤجل موعدك قليلاً، وبعد ساعة تشاهد الاستوديو من جديد فستجد أن المرور يسير بشكل طبيعي على الكوبري.. الأن فقط يمكنك أن تنفد بجلدك حتى تلحق بمواعيدك.. رحلة سعيدة.

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر اضغط هنا