لو انت قاعد في مدرج الدرجة الأولي هايبقي فريق البنات علي يمينك، ولو انت قاعد في مدرج الدرجة الثانية هايبقي فريق الشبان علي شمالك، ولو انت قاعد درجة ثالثة هاتبقي في النص، أما لو انت قاعد قدام التليفزيون مش هاتشوف حاجة لإن المباراة غير مذاعة!

هذا المقطع كان من فيلم الزواج علي الطريقة الحديثة والذي أنتج عام 1968 أي قبل 46 سنة، ولم يخطيء الفنان الكوميدي الكبير سمير غانم وهو يؤدي دور المعلق علي مباراة بين فريق "الشبان" وفريق "البنات" حينما وصف هذا الموقف منذ هذا الوقت وهو ما كان يحدث وقتها لقلة الإمكانات التي لم تكن متاحة مثلما هي الآن.

وبما أننا نعيد التاريخ بأيدينا ونستمتع ونحن نري أنفسنا نعود للخلف ما يقرب من نصف قرن، مر هذا المقطع علي ذهني وأنا أري بث المباريات الحي والمباشر لكل منتخبات العالم في يوم الفيفا الذي كان متخماً بالمتعة والوديات إلا منتخبنا وأنديتنا وكأن هناك من لا يكتفي مما نراه يومياً من مصائب.

هناك من سيقول لي أننا يجب أن نلتفت للمشاكل الأكبر، وللتوضيح أنا أتكلم فيما يعنيني ويمس صميم عملي بما أن الجميع أصبح يتنفس ويأكل ويشرب انتقادات للآخرين "علي الفاضي والمليان" في حين أن لا أحد منهم يفهم أو يقتنع إلا بفكره هو فقط.

وبالعودة لقصة "الشاشة السوداء"، فقد وقفت غير مصدق من هول ما رأيته في نبرة جماهير الكرة حين اتصل بي وأرسل لي العديد من الأصدقاء يسألون علي أي قناة ستذاع مباراة مصر والبوسنة "الدولية الودية"، ثم بعدها بأيام نفس السؤال يخترق أذني ونحن ننتظر مباراة الزمالك "الأفريقية" وفي النهاية لم يبث تليفزيون أو قنوات مصر لا تلك ولا هذه!

كانت البداية في مباراة الأهلي أمام يانج أفريكانز في دوري أبطال أفريقيا، وقتها الكل تكلم عن أن هناك خلافات مالية أو مبلغ لا يستطيع التليفزيون دفعه حتي يتمكن من نقل المباراة، وأياً كان السبب فهل يعقل أن يتجاهل التليفزيون المصري مباريات دولية للمنتخبات والأندية بهذا الشكل؟

القنوات الخاصة التي ملأت رؤوسنا بأن كل واحدة أفضل من الثانية، وأن الجمهور له حق ويجب أن يتابع القناة الفلانية لأنها ذات طابع محايد ويهمها المشاهد وما إلي ذلك من شعارات، هل يعقل - إذا فرضنا أن المبالغ المطلوبة كبيرة - أن تلك القنوات ليس لها موارد من إعلانات وخلافه لتقوم بدفع المقابل وتأخذ حصرية النقل فقط من أجل المشاهد بل أن الإعلان الواحد ما بين شوطي أي مباراة يمكن أن يعوض ما تم دفعه مقابل البث.

هل تعاملت القنوات وخاصة التليفزيون المصري مع المشاهد علي أساس أنه تعود علي تشفير المباريات فأصبح الأمر "مش فارق كتير" ! أم أن التليفزيون المصري لا يجيد سوي التعنت مع الأندية والقنوات المصرية فقط وهي عادة وثقافة مصرية أصيلة !

لم أتخيل أن يأتي يوماً يقوم جمهور مصر في داخلها وخارجها بالبحث عن قناة "أنجولية" لمشاهدة مباراة الزمالك وكابوسكورب وسط تناقل اسم القمر الذي عليه القناة وترددها وكأننا عدنا لأوائل أيام اختراع "الدش".

أمور غريبة وعجيبة تحدث ولا تجد من المتسببين فيها أي مبرر أو اعتذار حتي تكون هناك شفافية ووضوح أمام المشاهد الذي دائما ما يدفع الفاتورة حتي وهو يريد أن يشاهد الكرة لينسي كم "القرف" المحيط به في كل شبر مصري.

زمان وبالتحديد في الثمانينات، كثيراً ما كنا نستمع إلي إذاعة الشباب والرياضة لمتابعة مباريات الدوري في الأقاليم حتي للأهلي والزمالك كانت هناك مباريات غير مذاعة تليفزيونياً حيث لم تكن هناك إمكانيات في تلك الملاعب، ورغم كل هذا كنا بالفعل نستمتع ونشعر وكأننا أمام الشاشة.

الآن .. لا متعة أمام الشاشات ولا حتي في الراديو .. الكل يتفنن في ضيق الناس .. الكل يتفنن في القضاء تماماً علي الكرة في مصر .. وقريباً سيكون السؤال: الكورة فين؟!