تروي القصة التي سأتناولها خلال الأسطر التالية مقارنة بين مبادىء عامل مصنع حولته إلى أيقونة وطنية ورمزاً عالمياً، وعلى النقيض أخلاقيات ومبادىء معاكسة حولت نجماً عالمياً إلى لاعب فاشل محلياً.

في تسعينيات القرن الماضي كانت تنقشع الشمس كل صباح عن طفل يعيش في قرية قرب محافظة الجيزة يعمل على مساعدة أخوته وأبيه في العمل في أحد المصانع، لهؤلاء الذين يساعدون أباءهم فرحة وروح خاصة جداً من الحب والتقدير، فالابن الوفي المخلص يعلم قيمة ما يقدمه أبيه وما يعانيه كي يصبح في أحسن تكوين.

بزغت موهبة كروية لدى الطفل جعلته يتنقل من نادي لآخر حتى لعب في أحد فرق ميت عقبة تحت قيادة أحد أساطير كرة القدم المصرية في ستينيات القرن الفائت، أكد دوماً أن عامل المصنع كان رمزاً أخلاقياً وموهبة استثنائية.

في تلك الأثناء كان أحد طلاب كلية التربية الرياضية الفرقة الأولى يغادر ناشئين نادي القمة الذي يلعب له، وكليته متجهاً صوب أحد الدول الاسكندنافية لاحتراف مهنة كرة القدم.

ما قاله البعض وقتها أنه هرب من ناديه الذي أنفق عليه، وعزز موهبته ليصبح نجماً، وآخرون لم يهتموا بالقصة أو يعرفوها من الأساس، أما قيمة العلم الذي كان يدرسه في الكلية فيأتي لأيقونة كروية مثله في مرتبة أخيرة، هذا ما سنعرفه من خلال بقية القصة.

في الوقت الذي تحول فيه عامل المصنع للاعب للفريق الكائن بمحافظة الجيزة، كان العالمي المنتظر قد هرب، متسلحاً بمبدأ المغامرة ومتجاهلاً لمبدأ العلم، أما الأولى فكانت له والثانية فعليه.عندما كانت المجلات الرياضية تضع عامل المصنع كهداف البطولة المحلية الاولى في البلاد كانت غيرة واستفزاز يحترقان في قلوب المشجعين الصغار، من هو؟ ولماذا هو؟ أين نجوم فرقنا؟ الكبار الدوليين، عندما ضمه القطب المنافس لفريق العالمي، لم يكن معظم المشجعون يعرفونه إلا من دأب على متابعة أخبار البطولة المحلية المملة بشكل دائم.

حدث قبل عقد من الآن بحسب الرواية أن انضم عامل المصنع لاكبر فرق البلد، بينما كان العالمي يسجل في شباك فريق الجالاكتيوس، يصرخ فرحاً وتكبراً وتأكيداً لأن المغامرة مرت ناجعة بسلام لا تشوبها شائبة.

في عامين كانا زميلين في صفوف منتخب البلد الذي تعود على الفشل لثماني سنوات متصلة، ما عدا إلا انتصارات متفرقة على غريم عربي يعيش حالة كروية مذرية أو أن حقق أسطورته التهديفية أرقاماً قياسية في البطولة القارية.

وقتها لعبت البطولة القارية على أرض مصر، بحسب البعض حولت البطولة التي أقيمت عامل المصنع لنجم دولي، قبل أن يمنح ناديه بطولة الأندية في نهاية العام بهدف تاريخي، ثم يتحدث عن رفضه لأن تنسب البطولة له وحده رغم أن لولا تسديدته لما كان هناك بطل ولا دونت في التاريخ بطولة، ولكنه أكد حقيقة أنه لا يلعب منفرداً.

لا أدري هل كانوا في البلد يعانون من أن العالمي يتعالى في نظرته عليهم أم من هذا التعالي كان يمنحهم انكسارة ذل وتقديس لإله الكرة.بعد سنوات كان عامل المصنع يقود فريقه المحلي لانتصارات غير مسبوقة محلياً وقارياً وبلاده لنفس المصير، في 2009 كان أفضل لاعب في مباراة ضد المنتخب الأكثر تتويجاً بالمونديال.

في نفس العام لم يصبح العالمي لاعباً دولياً من الأصل، لعب لأندية ضعيفة في البلدة التي اخترعت الكرة، لما له من سابق معارف وصداقات حتى قيل أنه لعب بلا مقابل، وأن المقابل كان ينتظر أن يناله حال نجح في تسجيل هدفاً لم يسجل.بينما في سنوات عمر عامل المصنع الأخيرة في كرة القدم فاز بالبطولة القارية مرتين، سافر لأحد بلدان الخليج وحقق دوري الأبطال، تذوق التتويج في كل مراحله الكروية والعمرية.

ترى ما الذي حول عامل المصنع لهذا النجم العالمي، بل أنه الآن يقوم بالحصول على دراسات في مجال التسويق والإدارة، القصة أن هذا العامل آمن يوماً بقيم معينة أدت به للعالمية .. العمل بجدية .. كل قول عليه رقيب عتيد .. احترام الزملاء .. الإخلاص .. النظر للمستقبل ..

أما على الجانب الآخر فأن العالمي الذي تحول للاعب غير ناجح محلياً فهو القائل حين بات مدرباً: "لن أعاقب اللاعب على عصبيته وسبه لأننا لسنا في مدرسة" .. في مبادئه المدرسة رمز النظام والعلم والتربية مجالاً فقط للسخرية والأخلاقيات المرفوضة.