37 مليون شخص سقطوا ضحايا في الحرب العالمية الأولى، و60 مليون في الحرب العالمية الثانية، ومع تطور وسائل التكنولوجيا الحديثة من الطبيعي ان يتضاعف هذا الرقم في حالة قيام حرب عالمية ثالثة، ومع الفارق، خلفت الصحافة الورقية ضحايا عديدة في الحرب "الاعلامية" الأولى، وتضاعفت الضحايا ببرامج التلفزيون في الحرب "الاعلامية" الثانية.. وها نحن الآن نتحسس ويلات الحرب "الاعلامية" الثالثة.

الحرب الاعلامية الاولى

علمتني الصحافة انه قد يمنحك مشهورا ما في الكرة تصريحا قويا ربما يهاجم فيه أحد الأطراف سواء نادي او نظير له، وينفي نفس الشخص هذا التصريح بعدها بساعات، بدعوى ان الصحفي كان كاذبا ومضلل، ربما بعدما هدأ من موقف ما اثار عصابيته فدفعه لإصدار التصريح الاول، أو لضغوط ما تعرض لها فجعلته يتراجع.

الرياضي المشهور هنا يكون مبرره بكلمتين "الصحافة الصفرا"، ورغم انه في الغالب يكون كاذبا، إلا ان هذا الامر يخفف نسبيا من وطأة التعصب الجماهيري الذي خلفه تصريحه الأول مانحا نفسه مبرر جديد بكلمتين "كذبة بيضا" !

وكمثال.. قد يهاجم مدرب الاهلي نظيره الزمالكاوي – أو العكس – في إحدى الصحف :"انت مدرب فاشل ولا تصلح لأي شيء، فيرد مدرب الزمالك "انا افضل مدرب في مصر وانت تتلمذت على يدي".

ثم يتحدث المدربين سويا على الهاتف او يلتقيا او حتى يقرب بينهما وسيط، فينفي المدربين التصريحين ويخرجا بتصريح جديد "مش عارفين الاعلام عايز مننا ايه ما يسيبونا في حالنا .. ده فلان كان بايت عندي امبارح اصلا، وفي بينا علاقة اسرية" !

الحرب الاعلامية الثانية

لا يختلف الامر كثيرا في التلفزيون، وان اختلفت مبررات النفي بعد ذلك، فقد يهاجم لاعب او مدرب زميل له او نادي منافس في احد البرامج، ثم يخرج في برنامج اخر وينفي هذا الامر – وكانه نسى ان الامر مسجل بطبيعة الحال – أو يقول ان المذيع او مقدم البرنامج هو من ورطه.

وكمثال.. قد يخرج حسني عبدربه في برنامج شوبير ويقول "الاهلي والزمالك يفوزان بالتحكيم والرشوة، والاسماعيلي افضل نادي في مصر"، ويذهب بعدها لبرنامج الغندور ويقول "لم أقصد الاهلي والزمالك كناديين ولكني قصدت بعض المنتميين لهما من الجماهير العظيمة، ولكن شوبير هو من حاول تشويه صورتي".

"مقاطعة" ... لا تقف عزيزي القارئ عند هذه الكلمات وتظن اني ادافع عن اعلامنا الرياضي، الذي أظن انه له دور عظيم في تعصب "عنيف" عاشته ولا تزال تعيشه الجماهير.. راجع مقالاتي السابقة.

ولكن مثلما كان للإعلام دور كبير في مجزرة بورسعيد وايضا الازمة المصرية-الجزائرية، لم تكن لتحدث هذه الازمات الا وان كان فتيل الازمة "مسئولا" .. والمسئول ليس بالضرورة "مدير" فاللاعب مسئول والمدرب مسئول والجماهير مسئولة.

حروب مشاهير الرياضة في الصحافة التقليدية أو البرامج التلفزيونية خلفت ضحايا سوى أشخاص انتهى مستقبلهم، او لأشخاص زهقت دمائهم !  

هذه الحروب انتهت تقريبا بعد اندثار الصحافة الورقية نسبيا، وعدم اعتماد الناس على برامج التلفزيون كوسيلة معلوماتية أولى، ولكن ظهرت الحرب الأكثر خطورة والأكثر تطورا وربما الأكثر دموية.

الحرب الاعلامية الثالثة !

حرب السوشيال ميديا أو حرب مواقع التواصل الاجتماعي وتحديدا فيسبوك وتويتر، حرب جديدة تطورها وانتشارها تمنح الأمر خطورة اكبر في ظل "الجنود الكثير" المتورطين فيها أو تحديدا رواد هذه المواقع.

لا يخفى على أحد ان التغير في شكل المجتمع المصري من 25 يناير 2011 - سواء كان هذا التغير ايجابيا او سلبيا - كان لمواقع التواصل الاجتماعي دورا كبيرا فيه.

اي ان للسوشيال ميديا دورا بات مسيطرا على الوضع الاعلامي وعواطف وتحركات الجماهير او المتابعين، لذلك ستكون من الساذجة تجاهل دور هذه المواقع في التأثير على جماهير الكرة التي لا ينقصها تعصب.

في حرب الصحافة الورقية او التلفزيونية كان مبرر اللاعب او المدرب او الاداري ان الصحفي هو من فبرك الخبر، او المذيع هو من ورطه في هذه الاجابة، وهذا كما ذكرت ربما يخفف بعد ذلك من حدة الازمة الجماهيرية التي أحدثها تصريح من هنا أو هناك.

ولكن في عصر السوشيال ميديا، لم يعد للصحفي او المذيع دورا، وبات "المشهور" في وجه الجماهير مباشرة لن يستطيع ان يعطي مبررا لتصريحاته او كلماته، ولن يستجدي بصحفي او مذيع لإنقاذه .. وهنا مكمن الخطورة !

ولأن ثقافة "التواصل الاجتماعي" بين المصريين بشكل عام وبين الكرويين بشكل خاص ليست على خير ما يرام، فباتت الكلمات التي تخرج من هؤلاء الكرويين على فيسبوك وتويتر أكثر فوضوية من التي كانت تخرج من أفواههم عبر برامج التلفزيون او الصحافة الورقية.

حدث على تويتر وفيسبوك:

ميدو يسب الاهلي وأبوتريكة.. خالد مرتجي يستقيل ويورط مجلس إدارة الاهلي.. أحمد عيد عبد الملك يهين الاهلي.. محمد عبد الوهاب يُظهر انقساما في مجلس ادارة الاهلي.. أحمد جعفر يسخر من ميدو.. أحمد فتحي يتعهد بالعودة لاتحاد جدة ويتجاهل الاهلي.. ابراهيم سعيد أفضل مدافع في مصر بس على تويتر.

ومع كل Tweet  أو Status لمشاهير الكرة تجد آلاف الردود والمتابعات، والاحتكاكات والمناوشات الجماهيرية، بعض هؤلاء يتراجع عن ما كتبه بنقر Delete وكأنه نسف ما قاله بنفس عقلية التعامل السابق مع الصحف او التلفزيون، وينسى ان في الـ Keyboard أداة اسمها Print Screen  بدأ يستخدمها الناس اكثر من أداة Enter !

تطور اللاعبين والمدربين المصريين ونجاحهم في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي حتى ولو بصورة سلبية لم يصل للمسئولين عن الكرة في مصر، ولم يقترح اي شخص وضع عقوبات في اللائحة للمتجاوزين.

-الاتحاد الانجليزي عاقب ريو فيرديناند المدافع السابق لمانشستر يونايتد بغرامة 57 ألف يورو بسبب تويتة كتبها على تويتر فيها اساءات تبدو عنصرية ضد اشلي كول ظهير تشيلسي وقتها.
 
عموما اتحاد الكرة المصري لا يعاقب في التجاوزات التي تحدث أمام كاميرات التلفزيون اذا لم تأتي في تقرير الحكم .. فمن أين سنأتي بالحكم على مواقع التواصل الاجتماعي !

وبمناسبة الحكام.. ابراهيم نور الدين الحكم الذي أدار "بكفاءة" قمة الأهلي والزمالك الاخيرة في الدوري، وجدت جماهير الأهلي على حسابه بموقع فيس بوك Like لصفحة تخص موقع لجماهير الزمالك، قد يرى الحكم ان الحساب خاص ومن حقه ان يقوم فيه بأي شئ يريده، وهذه "خرافة" مقتنع بيها فقط المشاهير المصريين.  

-في هيئة الاذاعة البريطانية BBC  وهي واحدة من أكبر المؤسسات في العالم يُحذر على العاملين فيها التجاوز او وضع صفحات او كلمات تبين انتمائهم، حتى ولو كان ذلك على حساباتهم الشخصية.

اخيرا.. مواقع الانترنت او مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مواقع "للعب العيال" .. هي الأماكن الاكثر تأثيرا في الرأي العام ومزاج الناس سواء الايجابي او السلبي، وكل كلمة تخرج من مسئول لابد وان تكون على حجم مسئوليته..

المسئولية ليست وظيفة، المسئولية صفة .. واللي معندوش "الصفة" ميلزموش !

للتواصل مع الكاتب مباشر عبر تويتر أضغط هنا

للتواصل مع الكاتب مباشرة عبر فيسبوك أضغط هنا