يجلس في استوديو بي ان سبورتس في حلته الأنيقة وسط كوكبة من نجوم لعبة كرة القدم المعتزلين والمحللين تمهيدا لتحليل احدى المباريات بالدوري الإنجليزي ، المباراة هامة والجماهير العربية في انتظار ما سيقوله محمد أبو تريكة والذي يعمل محللا في القناة القطرية ، بدأ يقلب الأرواق بين يديه ليتأكد من أنه جاهز فور أن يبدأ البث المباشر.

مازالت هناك عشرة دقائق قبل ان  يبدأ البث ، عينيه تجول في الاستوديو في محاولة للاسترخاء قبل ان تحين اللحظة التي يتوجب عليه التحدث لملايين المشاهدين الذين ينتظرون معرفة تحليله للفرق التي يحبونها ، اثناء جولته البصرية في الاستوديو تقع عينيه على تاريخ اليوم ..  يوم 20 ديسمبر ، على الرغم من برودة المكان بسبب اجهز التكييف إلا ان حبات العرق ظهرت على جبهة محمد أبوتريكة ، وبدأ حديث داخلي مع نفسه لقد مر عام كامل على اتصاله بسيد عبد الحفيظ مدير الكرة السابق في النادي الاهلي والذي اخبره من خلاله ان قرر اعتزال كرة القدم بشكل نهائي وكانت هذه المكالمة من الأرض المقدسة بالمملكة العربية السعودية حيث كان يؤدي مناسك العمرة.

وعلى الفور بدأ اللاعب يسترجع عدد من المشاهد قبل اعتزاله بشهور قليلة والتي مرت بشكل سريع

المشهد الأول .. ملعب بورسعيد ، مباراة هامة للنادي الأهلي في سباق الدوري ، البطولة قوية هذا الموسم والخصم الشرس الزمالك يقدم موسما جيدا ، الدقيقة 93 وعبد الله سيسيه سجل الهدف الثالث ، بدا أبوتريكة يحدث نفسه قائلا :" قدر الله وما شاء فعل ، التوفيق لم يكن حلفينا اليوم وخسرنا نقاط المباراة كاملة ، خسارة ثلاث نقاط ليس امرا هاما طالما اللاعبون بخير ، علينا التعويض في قادم المباريات".

بدأ يشم رائحة غريبة قادمة من المدرجات ، الموت بدأ يخيم على المكان ، لاعبو الأهلي بدأوا يركضون وهو معهم اتقاء طوفان جماهير المصري الذي غمر الملعب ، اغمض عينيه وفتحهما ليجد نفسه شاهدا على اسوأ تجارب حياته ، 72 نفس ازهقت دون ذنب.

المشهد الثاني .. الأهلي يستعد لخوض مباراة السوبر أمام انبي في شهر سبتمبر 2012، وسط غضب عارم من جانب اولترا أهلاوي والتي ترفض بكل شكل خوض اي نشاط كروي قبل القصاص للأنفس التي قتلت دون ذنب في مباراة المصري.

قرر عدم المشاركة في المباراة تضامنا من الاولترا في قضيتهم ، الأمر لم يمر مرور الكرام ، هذه الخطوة كانت كفيلة بأن تشعل البركان ، وكانت سببا في حدوث فجوة بين اللاعب وبين زملاءه في الفريق والذي هاجموا اقدامه على هذه الخطوة والتي وضعتهم في موقف سيئ ، لكنه سرعان ما عمل من جديد على تحسين العلاقة بينه وبين زملاءه الذين قدروا موقفه.

المشهد الثالث .. اليوم 15 اكتوبر 2013 ، المكان ملعب بابا يارا بمدينة كوماسي ، الأجواء في غاية الحرارة والخطب جلل ، اليوم سيواجه المنتخب المصري نظيره الغاني في الجولة الأولى من المرحلة الأخيرة من التصفيات الافريقية المؤهلة لكأس العالم 2014.

بدأ يحدث نفسه :" هذا هو اليوم الذي انتظره منذ فترة طويلة ، الفوز أو التعادل في مباراة اليوم امام النجوم السوداء سيكون خطوة جيدة من أجل تحقيق حلم مصر وحلمي الشخصي بالصعود لكأس العالم".

السماء بدأت تمطر ، المطر كأنه سيل منهمر ، وجماهير غانا تصدر اصواتا رهيبة تئز في النفوس ازا ، المباراة بدأت ويبدو أن اليوم لم يكن يوم حظ ابوتريكة ورفاقه شباك المنتخب تستقبل الهدف تلو الاخر ، وتريكة يجد نفسه تائها في وسط الملعب ، يحاول استدراك الأمر ، ينادي على محمد صلاح لكي يبذل اقصى ما لديه ، يصيح في وليد سليمان لأرسال المزيد من الكرات ينادي على نجيب وجمعة حتى يتماسكوا لكن دون جدوى ليخرج الجميع خاسرا.

المشهد الرابع .. مطار اكرا في طريق العودة للقاهرة بعد مباراة كوماسي الشهيرة ، وقتها أدرك ان وقت الراحة قد آن ، ترك كل افراد البعثة وانفرد بمحمد صلاح في مكان هادئ وبدا بينهما حديث خافت ونظرات تشي بأن وقت راحة له قد آن وأن اللاعب الشاب هو مستقبل الكرة في هذه البلاد.

جاء موعد الصعود للطائرة من أجل العودة للقاهرة .. الصحفي يركض خلف اللاعب  ، الصحفي يلهث وينادي :" كابتن هل ستعتزل كرة القدم بعد ضياع حلمك الشخصي في الوصول إلى كأس العالم ؟". . رد ابوتريكة في اقتضاب :" هل فقد الجماهير الأمل في الصعود ؟! مازال هناك مباراة في القاهرة بعدها سأرد بشأن الاعتزال".

المشهد الخامس .. المكان استاد المقاولون العرب ، الأجواء غاية في الروعة ، جمهور الأهلي يملا المدرجات ، اليوم هو نهائي دوري أبطال افريقيا والخصم هو اورلاندو بايراتس.

يريد حسم الأمر بعد التعادل بهدف لكل فريق في مباراة الذهاب ، في الدقيقة 45 من عمر المباراة يمرر عبد السعيد الكرة له في منطقة عمليات اورلاندو يسكنها شباك سينزو الحارس الجنوب افريقيي لتعلن عن الهدف الاول ، الحلم بات قريبا ، احمد عبد الظاهر يسجل الهدف الثاني والكاس تقترب اكثر.

محمد يوسف يقرر تبديل ابو تريكة ، ينظر بقوة وعميق إلى الجماهير ويتخذ وقتها قرار الاعتزال .

ينظر النجم إلى الجماهير بطريقة كأنها المرة الأولى التي يشاهدهم فيها والأخيرة ايضا ، ملئ عينيه من المدرجات بلونها الأحمر الكياد الذي طالما سره منذ ان انضم للفريق ، زادت عندها قناعته أنها المرة الأخيرة له أمام هذا الطوفان الأحمر.

المشهد السادس .. كاس العالم للاندية في المغرب .. أبوتريكة يشارك امام جوانزو الصيني في أول مباريات كأس العالم , يريد مشاركة متميزة لفريقه وله حتى تكون مسك الختام لكنه يتعرض للاصابة ويتأكد غيابه عن باقي المباريات.

المشهد الأخير .. الأرض المقدسة في المملكة العربية السعودية ، مكالمة هاتفية مع سيد عبد الحفيظ مدير الكرة يخبره فيها بأنه قرر الاعتزال ولن يعود للعب الكرة نهائيا.

يوقظه صوت هشام الخلصي الذي سيدير الاستوديو التحليلي قائلا :" أبوتريكة هل انت جاهز ؟ سنبدأ البث المباشر بعد اقل من دقيقة".

يرد الاسطورة بعد ان مسح دمعة كادت تتجاوز عينيه :" نعم جاهز".

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر اضغط هنا