في البداية اتوجه بخالص العزاء لاسرة لاعب نادي الزمالك الشاب يوسف محيي الذي لقي مصرعه في حادث مروري وادعو الله ان يتغمده برحمته ويمنح اهله الصبر والسلوان.

الامر الذي لفت نظري وشجعني لكتابة هذه المقال بالتحديد هو ما رأيته علي شبكات التواصل الاجتماعي من حالة "حداد تلقائية" من جميع مشجعي كرة القدم على خلاف انتماءتهم تجاه حالة وفاة لاعب الزمالك.

وارفض ان اصف مثل هذه التصرفات "بالرائعة او الوهمية"، لانه من المفترض ان تكون هذه التصرفات "طبيعية ومنطقية" لانها ببساطة "واجب علي الجميع".

ولكن السؤال الذي قفز الى ذهني وقتها: " لماذا دائما نجعل الموت المبرر الوحيد لنبذ التعصب الكروي واظهار افضل ما في داخلنا؟

واذا كان هذا موقفنا عند "الموت"، فلماذا لا نفكر بنفس الاسلوب عندما نختلف على هذا الفريق او هذا اللاعب او ضربة الجزاء تلك او ذاك الهدف، للدرجة التي تجعل التشاجر يبدأ لفظيا وربما يستمر ليصل الى المستوي البدني!

فما اكثر المواقف التي رأينا فيها مشجعين يسبون بعضهم البعض باقوي الالفاظ التي قد تصل في بعض الاحيان الى "سب دين الله" نفسه "والعياذ بالله" ومن ثم يتطور الامر الي الشجار مع بعضهم البعض لمجرد الاختلاف حول "الدخلة" تلك، او من رابطته اقوي من الاخرى، ويضعون انفسهم في مواقف قد تؤدي في بعض الاحيان الى مقتلهم.

فمثلا .. هل من المنطقي ان تجد مشجع يشتم ويسب ويلعن لاعب في فريق منافس، ثم نفاجئ مثلا بأن هذا اللاعب لقي حتفه في اليوم التالي فيأتي نفس المشجع بعد ان تحول "نفسيا 180 درجة" ليقدم التعازي ويتباكي علي رحيله!

واتمني ان لا يفهم من كلامي اني ادعو الى "اليوتوبيا" او العيش في "المدينة الفاضلة"، فكرة القدم ستظل متعتها في التنافس والحماس الموجود فيها والذي منطقي ان يصل في بعض الاوقات الى درجة الاستفزاز.

لكن ... لابد ان يكون هذا الاستفزاز "مقنن" وان يكون له حدود وخطوط حمراء لا يجب ان يتعداها احد. وهذا التقنين وهذه الخطوط الحمراء تكون موضوعة من داخل الشخص ذاته ومن ثم تنتقل من شخص لاخر لتكون منظومة لتعامل الجميع مع بعضهم البعض.

لا اطلب من احد ان "يتعمد حب" المنافسين، ولكن في الوقت ذاته لا تترك التعصب داخلك يتحول لغضب ومن ثم يتحول لكراهية ومقت شديدين تجاه الاخرين.

والمثال الانسب الذي ممكن اعطيه في هذه الجزئية هي مواقع التواصل الاجتماعي والتي تكون معظم النقاشات فيها بين اناس لا يعرفون بعضهم البعض من الاساس، فهناك يمكن رؤية فئتين من المشجعين:

1- مشجعون متنافسون يتبادلون " الغيظ والاستفزاز" ولكن بوجود حد اقصي لان هناك غلاف من الاحترام.

2- مشجعون متنافسون يصل التعصب بينهم الى حد السباب والتلاسن بالالفاظ، والشيئ المثير للسخرية انهم يفعلون ذلك وهم لا يعرفون بعضهم في الحقيقة ولم يلقتوا ابدا ولو حتي "صدفة في الشارع".

لا شك اننا جميعا مررنا بهذه الفترة في حياتنا، ومن منا لم يكن متعصب في صغره او شبابه، ولكن وجب علينا وضع خطوط حمراء بأنفسنا وعدم تخطيها مهما كان الثمن. وجب علينا التدبر والتعقل وسؤال انفسنا " هل سأظل طيلة حياتي اعيش بنفس الفكر ونفس التوجه؟

في "الموت عظة" .. وعلينا دائما تذكر ان الكثير من المواقف لا تستحق كل ما اقترفنا من افعال تجاهها، ولا يجب ان تكون لحظة تذكرنا "لاخلاقنا الحميدة" هي لحظة "موت" هذا او ذاك.

للتواصل مع الكاتب عبر الفيسبوك .. برجاء الضغط هنا

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر .. برجاء الضغط هنا