مشهد سيارتان نصف نقل فوقهما رجال مسلحون يقطع الأول طريق الحافلة، والثاني يأتي من الخلف ليطلقا كلاهما النيران بكثافة على هذه الحافلة التي كانت في طريقها للجونة !

مشهد تخيلي ربما نتيجة تراكمات ذهنية تغلفها أعمال ذئاب الجبل وخالتي صفية والدير والجزيرة، هذه الأعمال التي "عمليا" لم تلغ فكرة "التار" عند كثير من المصريين، حتى ولو هدأت الشوارع عند الثامنة مساء وقت تأثر الناس بهذا المشهد أو ذاك.

هذا المشهد الذي يبدو خياليا ينتظره البعض في مباراة الأهلي والمصري، ربما ينتظر البعض الأخر مشهد أكثر درامة، أو أقل، ربما حتى كوميديا، وفي كل الأحوال سيكون هناك مشهداً "مؤثرا".

و"التار" هو في الحقيقة عرف مصري ليس كما يشاع هو عند طائفة أو مجموعة واحدة هم "الصعايدة"، لأن خلال أربعة أعوام سابقة عرف المصريين انهم جميعا متشبعون بروح "التار".. صدمة؟

ليست صادمة فـ "التار" يوجد عندما لا يوجد "المسئول" أو الكبير بلغة الصعيد، والكبير في الصعيد هو الذي يأخذ المبادرة لإخماد نار الفتنة، يجلس ليحل مشاكل الدم ثم المشاكل التي بسبب سال الدم وهو ما يعرف في الصعيد "الدم قبل الهم".

الحكم في مأساة استاد بورسعيد ربما يتأخر بطبيعة الحال، وفي الوقت ذاته وافق الأهلي وجماهيره، ووافق المصري وجماهيره على اقامة الدوري هذا الموسم من مجموعة واحدة، وها نحن امام مواجهة مرتقبة بين الفريقين أي ان حل مشكلة الدم (الحكم القضائي) من الصعب ان تسبق مشكلة الهم (اقامة المباراة).. اذن فالحل في اقامة المباراة ان نصل لمعادلة جديدة عنوانها  "الهم قبل الدم".. ولكن كيف؟

كفن "المصري" ليس عارا

بعد 20 عاما من كارثة استاد هيسيل قبل مباراة يوفنتوس وليفربول التي راح ضحيتها 39 مشجعا معظمهم من جماهير اليوفي، التقى الفريقين مجددا للمرة الأولى بعد الكارثة، ورفعت جماهير ليفربول لافتة بها رسالة اعتذار ضمنية كتبتها بالإيطالية بمعنى "الأصدقاء" في 2005، وفي 2010 أقام نادي ليفربول نصبا تذكاريا في ملعب الأنفيلد عليه اسماء الضحايا الايطاليين.

وبعد يوم واحد من نفس الكارثة عام 1985، اعتذرت رئيسة الوزراء الإنجليزية مارجريت تاتشر للشعب الايطالي وجماهير يوفنتوس، رغم ان وقتها كانت تسمى "بالمرأة الحديدية" فهل يفعلها رئيس النادي المصري ياسر يحيي أم انه أقوى من تاتشر؟

حتى يخلص النادي المصري نفسه من "الهم" قبل ان تحكم المحكمة في "الدم" فعليه بالمبادرة بتقديم كفنه، والكفن هنا لن يلحق به العار بالفكر الصعيدي، بل ربما مجدا وانتصارا، يكفي انه وقتها سيأخذ خطوة لوقف المزيد من الدماء.

جماهير المصري لابد ان تعطي "أمارة" على تحملها المسئولية، بتقديم الاعتذار في لافتات حتى ولو في شوارع المدينة، في ظل غياب الجماهير عن المدرجات.

من حظنا السيء جميعا ان في مصر مسئولين رياضيين قاموا بالتواطؤ لإنزال عقوبات رياضية بسيطة على النادي المصري بعد الكارثة، رغم ان في هيسيل بادرت رئيسة الوزراء الانجليزية بسحب الفرق الانجليزية من البطولات الاوروبية، قبل ان يقوم الاتحاد الاوروبي بحرمان الاندية الانجليزية من بطولاته لخمسة أعوام، وستة لفريق ليفربول.

العقوبات الرياضية الصارمة خففت من حدة انتظار العقوبات القانونية الخاصة "بالدم" والنتيجة انه رغم براءة نصف المتهمين في هيسيل والحكم على الباقي بثلاثة اعوم فقط، مرت الأمور هادئة.

لذا فالكرة في ملعب النادي المصري وجماهيره لحقن دماء جديدة فليس منطقيا ان تٌلعب كرة القدم في العالم أجمع من أجل الفقراء والأغنياء، متعةً للأحياء، وفاءً لأرواح الأموات، تضامنا مع المصابين والجوعانين، ونحن نأخذ الكرة هدفا للوصول لوجه رب كريم !

مباراة الأهلي والمصري لن تمر بالسلام المنتظر لو لم يبادر الأخير بتقديم كفنه أملا في إنهاء "الهم"، أم "الدم" ففي يد الله أولا والقضاء ثانيا.. رحمة الله على أروح 72 ماتوا في ملعب كرة .. فأعملوا بضمير حتى لا يزيد العدد.

-اخيرا.. في كارثية هيسيل كان الدم بين شعبين مختلفين انجليزي وايطالي، وفصلت في الكارثة محكمة بلجيكية ورغم ذلك أٌغلقت أبواب الدم فيها للأبد، وكارثتنا حدثت بين شعب واحد على أرض واحدة وأبواب الدم لا تزال مفتوحة!

للتواصل مع الكاتب مباشر عبر تويتر أضغط هنا

للتواصل مع الكاتب مباشرة عبر فيسبوك أضغط هنا