لجأت فئة إيجابية من العاطلين عن العمل في الماضي القريب لإقامة مشاريع بسيطة مثل مقاهى الانترنت والألعاب إلكترونية وغيرها، لكن تطور التكنولوجينا قضىعلى المشروع، ورغم ذلك بقيت ثمة أفكار جديدة انبثقت من الاهتمام بالألعاب الألكترونية وخاصة كرة القدم، وللأسف هذه الفكرة كانت الاتجاه للتعليق على المباريات بدلاً من المعلق الإنجليزي أو الياباني.

ويا ليت شركات "Konami" و "EA Sports" قد أنتجت ألعاب كرة قدم إلكترونية بتعليق عربي منذ البداية، ربما كانت الطامة وقعها أقل علينا كمصريين، فالتعليق في المقاهي وعلى الأرصفة امتد للأسف الشديد لأغلى المايكروفونات في أكبر الفضائيات المصرية وأصبح محبي كرة القدم يعانون من تلوث سمعي لا يمكن احتماله.

من شاهد بطولات كأس العالم في التسعينات بتعليق أحد أفضل المعلقين العرب في التاريخ "ميمي الشربيني" واستمتع بصوته الرائع وهو يقول "دينيس بيركامب يقلب الترابيزة على الأرجنتين" مع النظر لواحد من أجمل أهداف هولندا في المونديال، بالتأكيد لن يطيق أن يستمع لمعلق أخر يتم تلقيبه بالشربيني الصغير رغم أن صوته قد يسبب لك حالة من العصبية المفرطة فضلاً عن الإزعاج الشديد الذي يجعلك في النهاية تلجأ بائساً لما هو أقل ضرراً في قناة أخرى.

 أما المساكين الذين يتابعون مباريات الدوريات الأوروبية بتعليق أفضل المعلقين العرب في قنوات "بي إن سبورتس" القطرية ثم يحملهم الحظ العاثر لسماع المعلقين المصريين في مباراة بين الزمالك ومركز شباب بنها، أو الأهلي وطهطا، فهؤلاء قد تجدهم في اليوم التالي على أبواب السفارات الأجنبية يطلبون اللجوء أو الهجرة.

التعليق المصري للأسف الشديد أصبح مرتعاً لكل من لا عمل له، أي شخص يمكنه أن يصبح معلقاً في أكبر الفضائيات المصرية، ربما يكون جاهلاً لا يمكنه نطق الحروف الإنجليزية بشكل صحيح، ربما يكون جاهلاً بكرة القدم أصلا، ربما يكون صوته مثير للاشمئزاز و"مغشلق"، ربما يصلح أكثر للقيام بشخصية مسخ في أفلام الكارتون لرعب الأطفال، لكن لا تنسى أهم شيء، الأكيد أنه يمتلك علاقات جيدة مع المسئولين أو لديه واسطة محترمة أو غير محترمة وهذا هو الأكثر أهمية في بلادنا.

المدهش في الأمر أن المسئولين في أكبر فضائيات مصر يسمعون كلمات مثل "ياسلام على الميس باص الجميل"، و"شيمباشيكو" و "ويندوز يناير"، فضلاً عن وصلات الـ...، فمثلاً قبل الثورة بأيام يقول المعلق العجوز أثناء مباريات دورة حوض النيل 2011 "مصر مش تونس يابني أنت وهو"، ثم يتحدث عن مشكلة "مزلقان" في بلدهم وأزمة تاكسي اسكندرية، قبل أن يعود لممارسة هوايته في "التطبيل" للقيادة السياسة سواء في شخص أو نظام والهجوم الكاسح على المعارضين بطريقة المعرضين.. "المُعرِضِين سمعتهم للخطر"، كل هذا وتجد نفس الأشخاص يطلون عليك بعدها بكل مباركة من فضائياتهم لأن انتشار الجهل والتطبيل أصبح مبدأ أي نظام.

هذا عن الفضائيات الخاصة وهؤلاء ليس لدينا عليهم سلطان، لكن عن أموالنا التي تنفق في مبنى ماسبيرو لنشاهد إعلام رياضي منافس على الأقل عربياً فهي في الحقيقة تنفق من أجل تعيين ابن خالة فلان بيه مراسل وابن الكابتن العظيم في نظرهم "الفاشل في نظر الجميع" معلق رياضي، وابن الكابتن الأخر مذيع ومعلق ومراسل وأي أشياء أخرى تجلب الشهرة والمال، وفي النهاية يطل علينا التلفزيون المصري بمظهر "ستيناتي سبعيناتي" الشكل والفكر.

وأذكر هنا ما قاله أحد معلقي القناة الثانية عن أحد الجماهير المغربية عندما قال "وأدي واحد من العصور الوسطى، أكيد دا مش بتاع اليومين دول"، لأقول له وللعشرات من أشباهه أنتم لا يمكن وصفكم بالانتماء للعصور الوسطى، لأن من عاشوا وقتها لم يُفرضوا على الشعوب بالواسطة.

وللأسف الشديد أصبحت كل القنوات المصرية بلا استثناء الخاصة والحكومية تتسابق في تقديم مجموعة من المعلقين يتسابقون في نبرة الصوت السيئة والجهل بأسماء اللاعبين والمدربين خاصة الأجانب، والتطبيل والنفاق والمجاملات الرخيصة، أما المساكين الذين يصابون بهذا التلوث السمعي والعقلي لم يجدوا سوى الانتقاد و"التحفيل" على هؤلاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لعلها تصنع ثورة أخرى ولكن هذه المرة ضد جهاز إعلامي متخلف يضاهي في قوته النظام الذي سقطت رأسه في 2011 في الفساد والمحسوبيات والواسطة.

وبصفتي أحد ضحاياهم أوجه رسالة لمسئولي القنوات "أرجوكم احترموا الشعب المصري اللي مش ناقص وارحموه من الأصوات المزعجة والعقول الفارغة"، ورسالة أخرى للمعلقين "أبوس ايديكم، حاولوا تتعلموا أو تشتغلوا أي حاجة تانية يكون أفضل.. لأن بصراحة الكار دا مش كاركم،".

لمتابعة الكاتب عبر تويتر.. اضغط هنا