"هو احنا بنحب الكورة ليه"... سؤال قفز الى ذهني فجاءة ولم أستطع الإجابة عليه من الوهلة الأولى، الا اني بعد تفكير لوقت ليس بقليل توصلت الى بعض الإجابات التي يمكن سردها عبر السطور التالية.

لا اعتقد ان اولي خطواتنا في حب كرة القدم تختلف كثيرا، فمن منا لم يبدأ حياته بالذهاب الي استاد وهو ممسك بيد والده الذي كان يعمل جاهدا لكي يجعله يحب النادي الذي يشجعه.

ومن منا لم يطلب وهو طفل ان يحصل على " تي شيرت" لفريق سواء محلي او عالمي، وكان الهدف الأساسي واضح ومباشر وهو إرضاء الوالد او "المثل الأعلى" الذي اقنعك وجذبك لحب كرة القدم.

وهذا "المثل الأعلى" ليس شرطا او وجوبا ان يكون والدك او شخص من اسرتك، بل ممكن يكون أحد اصدقائك المقربين وكان دائما وابدا ما تري ان حبك لنفس النادي الذي يشجعه او يشجعونه هو وسيلة او طريقة لزيادة صداقتكم من خلاله.

لا اعتقد ونحن أطفال صغار او حتى في بداية سن الشباب سيكون منطقيا لعقلنا ان يسأل "لماذا احببنا كرة القدم"، فهذه الفترة من العمر تكون مغلفة بالقوة والحماس والانطلاق والاندفاع، وهي أمور تكون عاطفية أكبر منها عقلانية وبالتالي لن تكون هذه هي الفترة المناسبة لطرح هذا السؤال.

لكن .. وقتما تخطينا هذه المرحلة وبدأنا في مرحلة جديدة من حياتنا – في وجهة نظري - تبدأ من بعد سن الـ25 سنة، أرى انه اصبح لزاما علينا توجيه هذا السؤال لعقولنا وضرورة الإجابة عليه حتي نعرف لماذا نحب كرة القدم والتي اصبح حبها يكلفنا في بعض الأوقات حياتنا او حياة أولادنا او أصدقائنا.

سأبدأ بمحاولة الإجابة على هذا السؤال من منظور الإيجابيات وهي الأمور التي بكل تأكيد بدأت معنا منذ الطفولة وهي الفترة التي تكون فيها طبيعة البشر في أنقى مراحلها.

وبعض من هذه الإيجابيات ألخصها في الاتي ... "التجمع والفرجة مع الاهل او الصحاب" ... "القفز والتنطيط والهيستريا بعد احراز الأهداف" ... " فرحة الذهاب الى الاستاد" ... " شراء تي شيرت ناديك او لاعبك المفضل إضافة الى كرة القدم نفسها".

كل هذه الأمور التي حاولت تلخصيها على قدر المستطاع ستجد انها جميعا "معنوية" وتمس وتلمس عاطفة الانسان، ولا يوجد بها أي أمور "مادية" من شأنها ان تعكر صفو النفس الداخلية او تجعل للشر مدخل.

وبالتالي نستطيع الوقوف على مبدأ واضح وهو ان بداية حبنا كأطفال لكرة القدم يأتي من أمور معنوية بحتة، نريد من خلالها ان نثبت لأهلنا او لأصدقائنا اننا نحب نفس الشيء الذي يحبوه هم، نريد الشعور بالألفة والابتعاد عن الوحدة، نريد لحظة السعادة والفرحة الهيسترية عندما نرى الكرة تهز الشبكة، وهذه الأمور هي التي تستمر وتعيش معنا طوال حياتنا.

هذه الأمور التي ربما تبدو بسيطة ومباشرة من المنظور المجتمعي، ستضخم وتكبر بشكل ربما لا يدركه الكثيرون منا إذا ما نظرنا اليها من المنظور الديني.

فالدين يأمرنا بالتواصل مع أهلنا واصدقائنا، ويأمرنا بالتأخي مع الاخرين، ويريدنا ان نتعلم صفات حميدة مثل "التعاون والمشاركة والاجتهاد والعمل" وهي الامر التي توصل صاحبها الي النصر والنجاح في النهاية.

وبربط بسيط بين المنظورين الاجتماعي والديني سنجد، ان من حكمة الله سبحانه وتعالي انه سخر وسائل أخرى غير مباشرة لكي تساعد البشر في تطوير حياتهم والعيش بشكل أفضل من اجل عبادته.

وبتطبيق ذلك على كرة القدم مثلا، سنجد ان مشجعي كرة القدم في أصعب مباريات انديتهم او منتخبات بلادهم لا يلجئون الا لله تعالي، بل الأكثر من ذلك ان بعضنا من الممكن ان تكون كرة القدم هي السبب الرئيسي في انتظامه في الصلاة.

ومن منا لم يقل "يارب" في لحظة أراد فيها مساعدة ناديه بالدعاء وهو لا يملك غيره، ومن منا لم يقل " وما النصر الا من عند الله" لكي يفوز ناديه بلقب دوري او كاس، ومن منا لم يردد "استرها يا رب" عندما تكون الهجمة على ناديه.

افتح "اليوتيوب" وشاهد تلك اللحظة قبل مباراة مصر والجزائر 2-0 في القاهرة واسمع أكثر من 100 الف متفرج يدعون لمنتخب بلادهم بأقصى درجات الخشوع من اجل الانتصار، وعندما تنتهي من هذا الفيديو انتقل لفيديو اخر واسمع جماهير الأهلي في نهائي سيوي سبور وكيف تدعو لفريقها قبل لحظات من النهاية.

بناء على ما سبق، يتضح ان كرة القدم في حد ذاتها، مجرد وسيلة خلقت لكي تجعل حياتنا أكثر سعادة واقل حدة، وسيلة سخرها الله تعالي لبعض من الناس ربما تكون بصيرتهم الحياتية متوقفة عند حب كرة القدم وغافلين عن أمور أخرى، ولا يحبون ان تصلهم أي "رسالة" الا من خلالها.

وطالما سرنا على هذا النهج وهذا الطريق بأن كرة القدم مجرد "وسيلة" في حياتنا، فدائما وابدا ما سنراها "جميلة وجاذبة" وسنبقي منتظرين لها بشغف من الحين للأخر، لكن هل هناك ما يمكن حدوثه لتغير ذلك وتحويل الامر "لكأبة وغم"... الإجابة نعم.

فعندما يتحول حب وتشجيع كرة القدم من "وسيلة" ليكون "هدف" في حد ذاته وسواء كنت مدرك لذلك او لم تكن، فاعلم تماما ان كل ما ذكر أعلاه سيتحول للعكس، لان الله تعالي خلق كل شيء بهدف واحد ومحدد وطالما خرج هذا الشيء عن اطاره، فان نتائجه أيضا ستخرج عن الإطار.

ومن اشكال تحويل حب وتشجيع كرة القدم "لهدف" هي ان تجعلها مالكة لوقتك بالكامل، ان تجعلها "وظيفتك" التي تصحو وتغفل اليها، ان تنسي كل ما في حياتك من اجلها، ان تعيش وتموت من اجلها، الامر الذي سيجعلها تبدو وكأنها "ديناً يعتنقه البعض".

فقط انظر بعقلك أولا ثم بعينك ثانيا، للفترة التي يكون فيها حب كرة القدم مجرد "وسيلة" فقط كما حدد الله تعالي له لتعلم حينها الإجابة على السؤال الذي ارهق البعض "هو احنا بنحب الكورة ليه"؟...

للتواصل مع الكاتب عبر الفيسبوك .. برجاء الضغط هنا

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر .. برجاء الضغط هنا