مواجهة كان من المفترض أن تكون أقل من العادية، فريق بطل يواجه فريق من الدرجة الأدنى في بطولة ضعيفة بلا جماهير وبنقل تلفزيوني أقل من المستويات الدنيا في أفريقيا التي تتأخر عن العالم بعشرات السنين، لكن شاء القدر أن تكون هذه المواجهة "الميتة" أحد أهم المباريات في تاريخ الكرة المصرية.

الجونة قرر عقاب المسئولين عن الكرة في مصر "على اعتبار أن هناك مسئولين" بطريقته الخاصة، ونجحت إدارة النادي الهابط للدرجة الأدنى في الدوري المصري في لفت أنظار العالم لما يحدث في مصر من جهل بالقانون واللوائح ومخالفات صارخة تتم عن عمد من أجل مصالح وأهواء شخصية.

في الحقيقة لو تفرغت للكتابة عن كم المخالفات والهراء التي تحدث في المقر الأسمنتي البائس الملقى على شط الجزيرة بوسط العاصمة لاحتجت شهوراً طويلة، لكني سأتحدث هنا عن أمر واحد يتعلق بالأبواق الإعلامية الفاسدة التي تتحكم في هذا الكيان الخرساني الجامد المسمى بالاتحاد المصري لكرة القدم وتنقله من مكان إلى أخر بمنتهى السهولة.

البعض يطالب بإلغاء نتيجة مباراة الأهلي والجونة التي أصبحت أكبر نتيجة في تاريخ الكرة المصرية "13-0" بحجة أن الفريق الساحلي أشرك لاعب أصغر من السن القانوني المصرح به دولياً، لا أعلم من أين جاءوا بهذه المعلومة، ومن أين أتوا بهذا القانون، أخشى أن يكون قانون مصري جديد!

الأمر المؤسف والمعبر عن مدى الجهل الذي ضرب الكرة المصرية، أن البرامج الرياضية "على اعتبار أن هناك برامج رياضية" لجأت لبعض خبراء القانون كما يسمونهم ليؤكد بعضهم أن المباراة ستلغى نتيجتها لأن الجونة أشرك اللاعب زياد الصحيفي البالغ 14 عاماً وهو الأمر المخالف لقوانين ولوائح الفيفا، تخيلوا معي أن هذا كلام أكبر شخص يعتمد عليه الإعلام المصري لمعرفة القانون.

وقبل أن أرد ببعض الأمثلة التي ستنهي تماماً أي جدل في هذا الأمر، وجب أن أؤكد للإعلام ولاتحاد الكرة وللنادي الأهلي وكذلك الجونة ولمنتحلي صفة خبراء القانون، أنه لا يوجد على الإطلاق أي شيء في قانون كرة القدم بل في الرياضة عموماً يتحدث عن سن قانوني للمشاركة مع الفريق الأول، وأطالب من يصروا على عكس ذلك أن يأتوا ببرهان إن كانوا يعلمون.

الأمثلة التي سأذكرها الأن هي لأساطير غيرت الرياضة وكرة القدم في العالم، وللاعبين تتصارع عليهم أكبر أندية أوروبا في حين أن سن البداية تراوح بين 14 إلى 16 سنة.

1 -  دييجو أرماندو مارادونا "15 سنة و5 شهور"

الأسطورة الحية في كرة القدم لم تخالف القانون عندما قدمها نادي أرجنتينوس جونيورز للعالم في عمر الخامسة عشر وخمسة أشهر في فريقه الأول عام 1976.

2 - سيرجيو أجويرو "15 سنة و35 يوم"

هداف البريميرليج وصاحب الحذاء الذهبي في إنجلترا أيضاً لم يخالف القانون عندما لعب بعد 35 يوم فقط من إتمام عامه الخامس عشر في الدوري الأرجنتيني الممتاز مع فريق إنديبندينتي في 5 يوليو 2003 وحطم رقم "جد ابنه" مارادونا كأصغر لاعب يشارك في مباراة رسمية.

لكن وفقاً للقانون المصري المزعوم لن يتمكن حفيد مارادونا ونجل أجويرو ونجم أكاديمية مانشستر سيتي للناشئين من المشاركة مع الفريق الأول قريباً وتحطيم أرقام والده وجده قبل أن يتم عامه الثامن عشر.

3 -  مارتن أوديجارد "15 سنة و4 أشهر"

ربما يشكك البعض في الأمثلة السابقة لأن أحدها كان منذ 39 عاماً، والأخر منذ 12 عاماً، لكن الموهبة النرويجية مارتن أوديجارد ستنهي هذه الشكوك عندما يعرفون أنها ظهرت للعالم مع فريق المحترفين في عمر الخامسة عشر وأربعة أشهر منذ عام تقريباً.

أوديجارد شارك مع الفريق الأول لنادي سترومس جودست في الدوري النرويجي الممتاز في السن المذكور سلفاً، ولعب مع منتخب النرويج الأول في 27 أغسطس 2014 وعمره 15 عام وبضعة أشهر، وشارك في 13 أكتوبر 2014 مع منتخب النرويج ضد بلغاريا في أوسلو بتصفيات أمم أوروبا، وأصبح هدفاً لأكبر أندية أوروبا وعلى رأسها ريال مدريد وبرشلونة وقطبي مانشستر وبايرن ميونيخ.

4 -  نادية كومانتشي "14 سنة"

ولنبتعد قليلاً عن كرة القدم لإبراز مثال واحد فقط بعيداً عن الحصر، لاعبة هزت العالم قبل أن تكمل "السن القانوني في نظر بعض المصريين" والذي ليس له وجود في أي قانون لأي لعبة رياضية في العالم.

اللاعب نادية كومانتشي أسطورة أولمبياد مونتريال 1976 فازت بالميدالية الذهبية في هذه الدورة بلعبة الجمباز وعمرها 14 سنة وبضعة أشهر لتصبح حديث العالم ويلقبها البعض بسيدة العالم وهي في هذا السن.

جهل مدقع

ستجدون أحدهم يتحدث عن قانون دولي اختصه الله وحده بعلمه دون سائر البشر، يتحدث عن أشياء لا نعلمها، وعندما يتحدث هذا الخبير الدولي فلنصمت جميعاً لينهل الإعلام والجماهير واتحاد الكرة من علمه ثم يقولون آمين، هذا كان سيمر مرور الكرام قبل أن يظهر الإنترنت والمواقع الرسمية لاتحادات كرة القدم ويكون القانون متاحاً بكل لغات العالم "ماعدا العربية" للجميع.

المشكلة الأكبر في المجتمع المصري أن لا أحد يحترم القانون، وبالتالي لا أحد يعرفه، الجميع يجهل القانون خاصة في الرياضة، أتمنى من الإعلامي قبل أن يتفوه بكلمة في قانون الرياضة أن يبحث بنفسه في المراجع الدولية أو أن يكلف أحداً بذلك إن كان جاهلاً باللغة أو بطرق البحث، وآمل أن يتعلم خبراء القانون الرياضي في مصر القانون قبل أن يفتوا فيه ويساهموا في إغراق البلاد في الجهل المدقع حتى في الرياضة وكرة القدم.

لمناقشة الكاتب عبر تويتر اضغط هنا