مازلت مصر تبكي ضحايا ملاعب كرة القدم الـ72 الذين قتلوا في استاد بورسعيد، والـ20 الذين قتلوا على أبواب استاد الدفاع الجوي، لكنه مجرد بكاء بلا أي تحرك لتجنب تكراره مرات أخرى، لم يحاول أحد معرفة الأسباب التي أدت لهذا العدد الكبير من ضحايا كرة القدم في مصر، لم يحرك مسئول ساكناً لفعل أي شيء من أجل ألا تحدث مذبحة أخرى على البساط الأخضر أو في محيطه.

بعد مذبحه بورسعيد الشنعاء بدأت أصابع الاتهام تتجه نحو الإعلام بما أنه أجج مشاعر الغضب والتعصب بين الجماهير، وعقب مذبحة الدفاع الجوي اتجهت نفس الأصابع إلى مسئولي الأندية بسبب تصريحاتهم التي تستفز جماهير المنافسين وتجعلهم على وضع الاستعداد من أجل الانتقام لناديهم.

لكن لم يوجه أحدهم اتهاماً لوسيلة إعلامية تأثيرها أكبر من التلفزيون والراديو والصحف ومواقع الإنترنت، فقد ساهمت السينما المصرية دون قصد في ترسيخ مبدأ التعصب والعنف بين الجماهير لدرجة أنها في بعض الأحيان أصبحت تتناول هذا الأمر في سياق كوميدي بما أنه أصبح أمر طبيعي.

هنا نلقي الضوء على بعض المشاهد التي رسخت التعصب والعنف بين الجماهير في الأفلام المصرية على سبيل المثال وليس الحصر، وهو الأمر الذي مر دون مراجعة أو نقد أو استياء على أقل تقدير من الجماهير والإعلام، خاصة وأن السينما تأثيرها أكبر خارج إطار الوطن وتعكس صورة لمصر لا يجب أن تكون بهذا الشكل.

فيلم اللعب مع الكبار إنتاج 1991

البداية مع واحد من أهم أفلام السينما المصرية في التسعينات وأحد روائع المخرج شريف عرفة والكاتب وحيد حامد، وطبعاً عادل إمام بطل العمل، وللأسف الشديد برغم وجود هذا الكم من العباقرة في عمل سينمائي مهم مثل هذا لم يتلافى أحدهم الوقوع في خطأ نشر التعصب والعنف بين جماهير كرة القدم عن طريق الفيلم.



في أحد المشاهد يظهر بطل العمل عادل إمام مع صديقه محمود الجندي في مدرجات للجماهير الحمراء أثناء مباراة للأهلي، وفجآة يكتشفان وجود مُخبر أمني خلفهم ليبتسم البطل ويقول لصديقه: "ياعيني ده راح"، ثم يخاطب جماهير المدرج قائلاً: "طب إيه لزوم قلة الأدب دي؟ طب ده راجل زملكاوي، إيه اللي مقعده في مدرجات الأهلي، وياريت كده وبس!، ده بيشتم النادي الأهلي"، وبعدها يشير للجماهير ببدأ الهجوم، ويجتمع المدرب بالكامل على ضرب الشخص الذي اتهم بأنه زملكاوي.

فيلم أبو علي إنتاج 2005

المؤلف بلال فضل الذي اشتهر بأنه مشجع وبالتالي من المفترض أنه يعرف أشياء عن كرة القدم المصرية، أخطأ أيضاً في فيلم "أبو علي" الذي خرج للنور عام 2005 وصوّر معركة ضرب وسحل بين جماهير الأهلي والإسماعيلي في حضور الشرطة!

فقد قرر المؤلف والمخرج أن يستغلا معركة بين جماهير الأهلي والإسماعيلي من أجل خدمة القصة في أن يهرب البطل والبطلة من سيارة الشرطة أثناء انشغال رجال الأمن بفض الشغب، ودون النظر عن كم الأخطاء التي وقعت في هذا المشهد مثل رجل الشرطة الذي سقط بعد ضربة خفيفة بالرأس من البطل كريم عبد العزيز أو طريقة الهرب نفسها التي لا تصدق حتى وإن كانت في فيلم كارتوني للأطفال لأن هذا ليس المغزى من التقرير.



لكن ما حدث في المشهد كان استفزاز متبادل بين جماهير الأهلي والإسماعيلي والهتافات التي تحمل شتائم قبيحة في المدرجات تم تحريفها قليلاً لتتناسب مع العرض السينمائي، ثم تحول الأمر لضرب وسحل وقذف بالحجارة بين جمهور الناديين قبل أن ينجح البطل والبطلة في خطة الهروب الساذجة.


فيلم أبو العربي إنتاج 2005

عندما نتحدث عن هذا العمل وقصص مباريات الأهلي والمصري لا يمر الأمر دون أن يمر على أذهاننا مذبحة بورسعيد التي بدأت بمعركة مثل التي في الفيلم ولكن بشكل أكبر وأشرس وبأسلحة وترتيب وتواطئ من المسئولين.

هاني رمزي بطل الفيلم كان يقوم بدور شاب من بورسعيد يشجع المصري، يجلس على مقهى في بلدته يبدأ مراهنات على فوز المصري على الأهلي بفارق 3 أهداف، ليتدخل مشجع أهلاوي في المقهى قائلاً: "اسكت يا جدع انت وهو، مصري مين ده اللي يكسب الأهلي، انتو اتجنتتوا ولا إيه؟"، حتى هذه السطور الأمر طبيعياً وعادياً، لكن السيناريو استخدم كلمات شديدة العدائية في الرد من ممثلي جمهور المصري في المشهد.



فقد رد طلعت زكريا أحد أبطال العمل قائلاً: "جاسوس"، ثم رد أخر:"أهلاوي"، قبل أن يتدخل هاني رمزي البطل الأول للعمل بجملة عدائية أكثر حدة قائلاً: "من جيش العدو"، وبعدها ينطلق الجميع تجاه المشجع الأهلاوي وينهالون عليه ضرباً بعد قول كلمة "هجوم" في آن واحد.

والسؤال هنا كيف كان شعور جماهير المصري عندما شاهدت هذا المشهد؟ وهل كان أحدهم مشاركاً في مذبحة بورسعيد بعد 7 أعوام من عرض الفيلم؟ هل أحد المحكوم عليهم بالإعدام أو السجن في القضية شاهد العمل وتأثر به ولو بنسبة 1%؟

فيلم كده رضا إنتاج 2007

وأخيراً حتى أتجنب الإطالة، مع فيلم حصد العديد من الجوائز المحلية في مصر، رغم احتواءه على مشاهد عنف وضرب متبادل بين جماهير الأهلي والزمالك بمشاركة بطل العمل أحمد حلمي.



أحد المشاهد احتوى على قيادة أحمد حلمي لجماهير الأهلي في الشارع قبل أن يعترضهم جمهور الزمالك الذي يحمل قائده عصا ليبدأ الاشتباك ويقوم البطل الذي يرتدي الزي الأحمر أمام الكاميرات بضرب الجماهير التي ترتدي الأبيض قبل أن يتحول الأمر لقسم الشرطة في النهاية ويتم الإفراج عن جماهير الزمالك لأن ضابط الشرطة مشجع للأبيض.

تأثير سلبي

في النهاية تجب الإشارة إلى أنني لست بصدد تقييم الأعمال السينمائية على المستوى الفني، لكني أنتقد تناول الرياضة وكرة القدم من خلالها وإظهار الجماهير في صورة "بلطجية" لا يظهرون إلا عندما يشتبكون بالضرب والسب والسحل وهو ما يعد تحريضاً للجماهير بالعنف وتصوير لشغب بأنه أمر عادي يحدث كل مباراة، أعرف أن السينما تعكس الواقع في أحيان كثيرة وتعري الأخطاء أمام الشاشة الذهبية، لكني أعرف أيضاً أن هذا يؤثر سلباً على عقلية مشجعي كرة القدم الذين يتابعون هذه الأعمال، فلو كان إظهار الواقع السيء ضرورياً فعلى الأقل يجب طرح حلول أو الأثر القبيح له، حتى لاتتكرر مشاهد العنف والدم في الملاعب المصرية ونظل نبحث عن أسباب هذه المشاهد التي حدثت بالفعل، أثناء متابعتنا للمشاهد السينمائية ونحن نضحك!

لمناقشة الكاتب عبر تويتر اضغط هنا