لابد أن أشير أن ما سيكتب في السطور التالية، قد يؤخذ بمحمل التنظير أو إلقاء محاضرة، لكن من باب الاعتراف، فكاتب المقال يكره التنظير وكان في الغالب "مثلك" يمكث أوقاته في "كانتين" الجامعة مستعيضا عنه بمدرج المحاضرات الصماء، فلا تقلق لن أوقعك في نفس الفخ فستجد هنا أشياء قد تجعلك كقارئ غير محترف الصحافة تعرف ان تكشف الخبر الكاذب وتتأكد من الخبر الصادق، وسأستغل بدوري "غياب" الكانتين خلف باب مكتبك أو حجرة نومك.

مبدئيا.. لماذا هذا المقال؟

في الصحافة الرياضية تحديدا، تتعامل مع العديد من المصادر "الضعيفة" وأقصد المعنى الحرفي وليس المجازي، فمسئول النادي أو الاتحاد أو اللاعب والمدرب، الكثير منهم لجهل أو عدم جدارة بالمسئولية يتلاعب بالصحفي، للحصول على مكسب مهني أو مادي بتمرير خبر أو نفي خبر صحيح، وعادة ما يواجه الصحفي هذا الصراع بالتلاعب به وعليه ان يختار ما بين إرضاء المصدر المستغل، او انتهاك القارئ.

قد تقرأ خبرا هنا وتجد نفيه هناك، هل يعقل ان تصدق الخبر دون مصدر معلوم، وتكذب خبراً بمصدر معلوم؟ مهنيا فالطبيعي أن تصدق الخبر معلوم المصدر هذا ما تعلمناه.. واقعيا وتحديدا في الوسط الرياضي في مصر ربما في بعض الأحيان يكون أخر خبر تصدقه هو الذي يزين فيه أسم المسئول أو اللاعب.

ونظرا ان وسائل الاعلام الرياضية باتت كثيرة من برامج تلفزيونية واذاعية ومواقع وصحف، سأحاول معك إيجاد طريقة واقعية للاجابة على السؤال الأهم.. كيف أعرف ان هذا الخبر صحيح أم كاذب؟

المصادر الشخصية

توضيحا واستكمالا لوضع "المصدر الضعيف" في الصحافة الرياضية خاصة، فأنت غالبا تكون أمام خيارين، إما أن تنشر خبر مزين بأسم المصدر ويكون غير صحيح أو على الأقل فيه استغلالا للصحفي لتمرير أفكار أو انتقام، أو تنشر خبرا بناء على المصادر الشخصية دون ذكر المصدر الذي عادة ما يمنحك معلومة حقيقية جرى تجاهلها أو طمسها.

والمصدر الشخصي بالمناسبة واحد من أهم أسلحة الصحفي، هو المصدر الكتوم أو السري الذي ينجح الصحفي الجيد عن طريق عمله وأخلاقه في كسب ثقته.

عادة ما يكون المصدر الشخصي الذي رفض الكشف عن اسمه، أكثر صدقا وواقعية، نزولا لطبيعة النفس البشرية التي تقول الحقيقة في الخفاء وتكذبها في العلن.  

مثال:

محمد عبد الوهاب عضو مجلس إدارة الأهلي (مصدر معلوم): 259 مليون جنيه فائض في ميزانية وهذا انجاز تاريخي في عام.

عضو مجلس إدارة آخر في الأهلي (رفض الكشف عن أسمه): ميزانية الأهلي في عام بها مشاكل كبيرة بسبب خسائر كرة القدم، والـ259 مليون ميزانية عقود الرعاية في ثلاثة أعوام، وليس في عام واحد.

-لو حللت الخبرين رغم أن الأول بمصدر معلوم والثاني بمصدر مجهول، تجد أن حديث الثاني أكثر منطقية وواقعية.. وهنا الدرس الأول أن تحلل كقارئ "المنطق" قبل ان تنظر لأسم أو صفة المصدر.  

المندوب أو المراسل

لكل مؤسسة صحفية مندوبين أو مراسلين في كل أو معظم الأندية، والمندوب تبقى أهم مهاراته هي القدرة على النظر والسمع الجيد، ونقل ما يراه أو يسمعه بدقة، ويزيد تميزه لو سأل زميل آخر في نفس المكان والواقعة.. هل رأيت ما شاهدته؟ هل سمعت ما سمعته؟ وتأكد من المعلومة ثم نقلها.

في بعض وربما كثير من الأحيان، ينفي المصدر ما شاهده وسمعه المراسل أو العديد من المراسلين .. تخيل!

مثال:

مسئول سابق في مجلس إدارة الزمالك لن أذكر أسمه كونه في رحاب الله الآن، خرج من إحدى اجتماعات مجلس الإدارة وفي استقباله كل المراسلين، وقاله انه خرج من الاجتماع لعدم تقدير اسمه وتاريخه وسيستقيل.. نشرت كل الصحف والمواقع ما قاله، وبعدها بساعتين ظهر في إحدى البرامج ينفي ما نشر وقال: هذا ليس صحيح خرجت من الاجتماع لارتباطي بميعاد آخر، وعلاقتي رائعة بكل أعضاء المجلس !

- لو راجعت تصريحات هذا المسئول السابقة والتي تدل على ان علاقته ليست على أفضل ما يرام بأعضاء المجلس، وان عدد كبير من الصحف والمواقع نشرت نفس الخبر، تجد أنه لم يقل الحقيقة في هذه المداخلة.. وهنا الدرس الثاني ان الخبر في الغالب صحيح اذا نشر في أكثر من وسيلة نشر موثوقة حتى لو نفى المصدر نفسه.

المصادر المؤسسية

من المفترض أن المصادر المؤسسية أي البيانات التي تخرج من الأندية واتحاد الكرة على سبيل المثال تكون المصادر الأقوى والأكثر مصدقية كون يتسق بها صفة الرسمية.

ولكن في مصر، وخاصة المؤسسات الرياضية لها ذراعين في مركزها الاعلامي او الصحفي، الذراع الأول مهمته تسريب بيانات الهدف منها جس نبض الجماهير او توجيه هجوم غير علني على مؤسسة أخرى أو شخص ما، والذراع الثاني مهمته نشر البيانات الرسمية، التي في الغالب قد تشيد بنفس المؤسسة التي استخدم الذراع الأول للهجوم عليها.

 بمعنى أدق أن الصحفي قد يكون أمام مهمة صعبة بين نشر ما يدور حقيقةً في بطون المؤسسة ونُشر بصدق بواسطة الذراع الأول، أو نشر ما هو رسمي ومعلن و"غير صادق" بواسطة الذراع الثاني.

مثال:

هل تتذكر البيان المسرب من المركز الاعلامي للأهلي يهاجم فيه علاء عبدالصادق رئيس قطاع الكرة السابق مانويل جوزيه مدرب الأهلي الأسبق بعد انتقاد الأخير له؟ .. بيان نشرته معظم الصحف والمواقع، ثم قام نفس المركز الاعلامي بنشر تكذيب لهذا البيان عبر نافذته الشرعية على الموقع الرسمي بعد الهجوم الجماهيري.

-يبدأ القارئ هنا في تحليل علاقة الناديين أو اشخصين على سبيل المثال، فلو كانت متوترة، فطبيعي ان البيان المسرب وفيه هجوم أو انتقاد هو الأقرب للحقيقة من البيان الرسمي المغلف بورود الأحباب، وهنا الدرس الثالث انك لم تتركني وذهبت للكانتين لتعرف انه ليس عادة ما يكتب أو ينشر تحت غطاء "المسئول الرسمي" شرطا لان يكون الخبر حقيقيا أو صادقا.. بحسب الوضع الرياضي المصري "الاستثنائي". 

للتوصل مع الكاتب عبر تويتر من هنا وعبر فيسبوك من هنا