دلف الطلاب بسرعة إلي داخل قاعة المحاضرات قبل وصول ( الدكتور ) بلحظات فهم لا يريدون أن ينالوا نصيبهم من التحليل النفسي حيث كان لأستاذهم القدرة الكبيرة علي تشريح الجزء النفسي من شخصيتهم.

دخل الرجل الذي يخشي الجميع أن يعرف ما بهم فهو قادر علي الوصول لأغوارهم بسهولة .. يرتدي نظارته المربعة الدقيقة  بشعره المتناثر والذي يبدو أقرب لأينشتاين هادئا صامتا لا يحتاج للكلام فنظرة منه قادرة علي الوصول إلي ما تجهله عن نفسك أو عن الأخرين.

الجميع كان يتحاشاه خوفا من أن يتجول داخلهم بنظرتهم إلا شخصا واحدا كان مظهره يوحي بالغضب والإشتعال غير قادر علي كبح جماح غضبه الذي إنطلق بعد حلقة تليفزيونية شاهد فيها أحد الأشخاص يهاجم رموز ناديه رغم أنه كان زميلا سابقا له.

الدكتور: من منكم معه رقم المطافي ؟ فهناك شاب يشتعل هناك.

إنطلقت إبتسامات خفيفة من الطلاب وبعضهم فضل الصمت المطبق ولم يحتمل الشاب الذي وجد نفسه غير قادر علي الصمت الذي إعتاده فأنطلق قائلا : دكتور هناك شخص كنت أتمني لو أطبقت بيدي عليه فورا ولكني أحتاج لعدة إجابات ولن أجد أكثر منك قدرة علي فهم ذلك الشخص.

تلقي الدكتور الأمر بطريقة هادئة عكس ما كان متوقع حيث كان يستقبل تلك الكلمات عادة بإرجاعها إلي عقدة أو نقص ما في الشخص.

ولكن ذلك الأمر لم يكن مفاجئا له فهو يعلم تحديدا حالة هذا الشخص الذي لم يعالج حتي الأن من ال CAIN COMPLEX.

تذكر الدكتور مرحلة شبابه وهو يري ناديه المفضل يفوز بالبطولة  ولم يكن تركيزه مع منصبا علي  كابتن فريقه وهو يحاول الإنفراد وحيدا بالكأس ويحاول حرمان أي شخص من ملامسته.
 
وفي الوقت الذي غابت فيه شمس النجومية عن هذا الجيل والذي إعتزل وكان لبعض منهم حظا من حب الجماهير والذي إستمر حتي اللحظة.

فجأة وجد محمد يونس نفسه بعيدا عن ناديه لم يعد له دور مؤثرا فوجد نفسه مضطرا للعب دور الرجل الأول في ظل (الشمس).

وفي نفس الوقت وجد من كان يجاوراه في الملعب يترأسا أكبر قلاع الرياضة فإشتعلت نار الحقد في قلبه (هكذا يسميها العامة) ولكن الأمر كان له بعدا نفسيا. 

كان الدكتور يهتم بتلك الحالة التي لم يقابلها يوما ما بشكل خاص يراقب تصرفاتها وإنفعالاتها صنفها أولا وأخيرا علي أنها CAIN COMPLEX  أو عقدة قابيل بعدما إحتار في وضعها بين عقدة النقص وعقدة نابليون.

دكتور.. هل يمكنك أن تصف لي حالة هذا الشخص الذي.. لم يكمل الطالب حديثه فقد قاطعه الدكتور وكأنما رأي صورة الرجل واضحة والتي بسببها إنتابته حالة الغضب قائلا : ما رأيك في عقدة النقص.

تلعثم الطالب فجأة فلم يكن منتظرا تلك الإجابة وقد ظن أن الدكتور قد أسقط تلك العقدة عليه فأضطرب قائلا: آسف.
أكمل الدكتور ليس هناك مجالا للأسف وأردف قائلا لباقي الطلاب: ما هي عقدة النقص؟.

أجاب طالب أخر : بإيجاز يمكن القول بأن تعرض الشخص لمواقف تشعره بالعجز وقيلة الحيلة تدفعه لمحاولة الظهور بشكل مبالغ فيه من خلال تصرفات مختلفة وربما تصل للعدوانية. 

وجه الدكتور وقد أخذ خطوات نحو الطالب (الغاضب): هل يعجبك هذا التفسير؟  أجابه الأخير ب نعم.. ولكن الدكتور تركه وعاد مرة أخري ليسأل : ما هي عقدة نابليون؟.

تدخلت طالبة قائلة: الأمر ربما يبدو مشابها لعقدة النقص  ولكن أكثر خصوصية عند الرجال الذين يعتقدون أنهم أقصر من غيرهم لذلك يحاولون فرض قرارتهم ومحاولة بسطة نفوذهم وربما يؤدي ذلك إلي جنون العظمة بعد ذلك.
 
الأمر ليس هذا ولا ذاك الأمر أعقد من ذلك هل تريدون مشهدا مؤثرا ..قام الدكتور بتشغيل جهاز اللاب توب الخاص به محملا عليه لقطة لمحمد يونس وهو يذيع إصابة صديق عمره بمرض خطير ذلك الأمر الذي أقلق الجميع ولكن ما لبث أن ذرف عدة دمعات وكأنه يشعر بالذنب ..رغم أن المرض كان طبيعيا إلا أن ردة فعله التي تتنافي مع ما قاله قبلها وما بعدها كانت غريبة.

هذا الشخص غريب جدا كيف يمكنه أن يذم في هذا وهذا ويشكك في نجاح شخص رغم أنه كان في وقت ما بمثابة الأخ والصديق أو علي الأقل زميل بما للزمالة من حقوق وواجبات.

إنه يمثل النموذج الأعلي لحالة الCAIN COMPLEX  أو عقدة قابيل أنتم بالطبع تعلمون من هو قابيل ؟ أومأ الجميع بالموافقة ولكن الدكتور أكمل محاضرته التي تحولت لنموذجا علميا في التطبيق.

قابيل كان يحسد أخاه هابيل علي أي شىء ولم يجد مفرا سوي التخلص منه نهائيا وإبعاده عن الحياة ولكنه بعدما إرتكب جريمته شعر بالذنب فجلس يبكي وحيدا وأنتم تعرفون باقي القصة.

هذا الرجل أو بالأدق تلك الحالة التي ترونها أمامكم هي حالة قابيل فالرجل الذي يذم ويقدح في أناس كانوا بمثابة الأخوة له لمجرد أنهم نجحوا فيما فشل فيه هو وهو كان يري نفسه الأحق والأفضل
قاطع الطالب الغاضب الدكتور: نعم هو كذلك.. ولكن لماذا كان يذرف دموع التماسيح؟.

أكمل الدكتور: هذا الأمر يرجع إلي قابيل الذي أدان نفسه بعد فعلته وربما عقدة الذنب التي تسيطر عليه من وقت لأخر بأنه سببا لشن هجوم البعض علي زملاؤوه وأنه كان لا يريد أن يتحدث ولكنه يفعل ذلك لمصلحة المكان الذي ترعرع فيه.

الطالب : هذا معناه أن عقدة الرجل بدأت بعقدة نقص وتحولت لعقدة نابليون رغم أنه ليس قصيرا علي الإطلاق ولكن كل ذلك كان مقدمات لظهور عقدة قابيل.. ولكن عفوا إسمح لي يا دكتور.. هل يمكن أن يتخلص من حالته؟.

أجابه الدكتور بمقطع فيديو أخر: وكان في ذلك الفيديو أحد زملاؤه القدامي وهو يطالبه بالإعتذار ويسرد فيه أن من تم سبهم لن يلجأوا للقضاء ولن يقبلوا إعتذارا.

الطالب مندهشا : وماذا يعني هذا؟
 
الدكتور: هذا يعني أن حالة قابيل ستستمر معه  ولكن بشكل مختلف فإصراره علي إظهار كل هذا الحقد والحسد لن يجعله في مكانة أكبر ولن يقلل من شأن الأخرين وهذا هو هدفه الأهم ولكن بالعكس سيستمر الكبير كبيرا وسيظل قابيل قابيلا.

ضجت القاعة بالتصفيق إلا من طالب واحد كان يجلس في أعلي المدرج والذي كان يخفي وجهه بين كفيه خوفا من أن يري أحدا دموعه التي سالت فقد كان يعرف من المقصود  لإنه أحد أقاربه من درجة بعيدة.

أمسك الطالب هاتفه الذي وجده علي غير العادة مفتوحا بل كان هناك إتصالا قد بدأ منذ بداية المحاضرة تقريبا ولم يدرك أنه قام بإستقبال تلك المكالمة والتي سمعها الطرف الأخر.

هل تعلمون من هو؟ إنه محمد يونس رجل ال CAIN COMPLEX.