للفلاسفة شطحات، وللعلماء غلطات، لحظات من التشتت يعجز فيها عقل المبدع عن افراز رحيق النجاح الذي ينتشر حوله ويحيطه بهالة العظمة التي تجعل كل من حوله يظنه أكثر من مجرد شخص عادي يخطئ ويصيب.

وإذا تحدثنا عن الإسباني بيب جوارديولا فنحن نتحدث عن أحد منتجي المتعة، صندوق المفاجآت الذي كلما أخرج لك بعض من اسراره المثيرة طلبت المزيد، لتشاهد ما يفعله لاعبيه داخل الملعب، وما يقوله من تصريحات خلال حديثه للإعلام.

لكن جوارديولا ربما يكون في الوقت الحالي قد حصل على المركب الكيميائي العجيب الذي اخترعه الطبيب الاسطوري دكتور جيكل في القرن الـ19 ليتحول إلى مستر هايد الذي ألحق الكثير من الضرر بمن حوله بسبب الولع بالدخول في مغامرات وتجارب جديدة.

بعد البداية الرائعة التي قدمها جوارديولا مع مانشستر سيتي من خلال تحقيق الفوز في 10 مباريات متتالية بمختلف البطولات، ظن البعض أن تركيبة جوارديولا السحرية قد حولت السيتيزينز إلى فريق أسطوري لن يقهره أحد في أي بطولة يلعب بها.

أدخل جوارديولا بعضا من التجارب الغريبة على مانشستر سيتي، ولعل أغربها اعتماده على كولاروف خلال الشهر الأول له مع الفريق في مركز المدافع الأيسر الذي يلعب به دائما، وقلب الدفاع إضافة إلى أداء دور لاعب الوسط أيضا في مباراة بوروسيا مونشينجلادباخ.

تعديلات المدرب الإسباني - في البداية - لم تكن مؤثرة بشكل سلبي على الفريق، ولم تحدث أثر ايجابي بالغ أيضا، على سبيل المثال لم يتمكن الفريق من الحفاظ على نظافة الشباك في مباريات يفترض أن تكون سهلة مثل سندرلاند في افتتاح الدوري، وكذلك امام سوانزي سيتي.

لكن أوجه القصور ظهرت قوية بداية من مباراة سيلتك الاسكتلندي فالفريق الذي كان حملا وديعا في ضيافة برشلونة بالجولة الأولى من دوري الأبطال، سن أسنانه على دفاع مانشستر سيتي في الجولة الثانية وسجل 3 أهداف كانت جميعا من أخطاء دفاعية فادحة.

ولم ينتبه جوارديولا إطلاقا لضرورة أن يعمل على تطوير أداء الدفاع بدلا من تجاربه غير المجدية أحيان، واعتمد على كولاروف كقلب دفاع أمام توتنهام فكانت النتيجة ان اللاعب سجل هدفا في مرمى فريقه ببداية المباراة، وبخلاف أن مانشستر سيتي من الأساس كان سيئا أمام توتنهام في كل الخطوط لكن الدفاع كان العنصر الأسوأ الذي يهدد مرمى الفريق ربما أحيانا أكثر من هجوم المنافس.

فلسفة جوارديولا العظيمة والممتعة ربما تكون بحاجة لأن تتوارى بعض الشيء خلف الهدف الأهم وهو الفوز بالمباريات والبطولات، فلا مانع أن يسمح لمدافع أن يشتت الكرة، أو أن يقوم حارس المرمى بإرسالها لوسط الملعب مباشرة، فربما لو سمح بهذا لما طُرد كلاوديو برافو أمام برشلونة.

لو أن إبداع جوارديولا الذي يحوله لمستر هايد أحيانا قرر أن يتنحى بعض الشيء لما سقط فيرناندينو أرضا أثناء محاولة السيطرة على الكرة داخل منطقة جزاء فريقه، فوجدها ميسي لقمة سائغة، وطلقة من بندقية المنافس يمكن أن يضربه بها في اللحظات الأولى.

جوارديولا الذي إلتقى مع لويس انريكي المدير الفني لبرشلونة فظن البعض أنه سيعطيه درسا في فنون التدريب، فوضع فريقه على حافة الأنهيار، وعجز حتى عن منع المنافس من الفوز بنتيجة 4-0 القاسية التي لم تحدث في 4 مواجهات سابقة بين الفريقين.

عجز جوارديولا عن اكتشاف ثغرات في طريقة لعب برشلونة التي لم يطرأ عليها أي تعديل منذ مباراة الدور الأول من الدوري الإسباني في الموسم الماضي أمام ريال مدريد، وفشل في إيقاف خطورة أي من الثلاثي الهجومي الأمامي لبرشلونة ميسي، نيمار وسواريز.

برشلونة الذي فقد اثنين من عناصر دفاعه في الشوط الأول للإصابة، وتعرض لاعبه جيرمي ماثيو للطرد في الشوط الثاني كان سدا منيعا عجز الفيلسوف عن تفسير طلاسمه حتى من خلال هجوم قومي يضم كيفن دي بروين، رحيم سترلينج، ونوليتو، والبديل سيرجيو أجويرو.

أنا لا أرفض تيكي تاكا جوارديولا ولا أطالبه بتحويل مانشستر سيتي لأعظم فريق بالعالم خلال أشهر قليلة، لكن يجب أن يعلم أيضا أن سيتي كان يهاجم مع من سبقوه وظلت مشكلته الدائمة تحت قيادة مانشيني وبليجيريني الدفاع الذي يهدر جهد الفريق في كثير من الأحيان.

على جوارديولا قبل أن يصنع من مانشستر سيتي قطعة فسيفساء جميلة أن يعلمهم كيف يحمون أنفسهم.

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر من هنا