اذا كنت قد تابعت برامج "التوك شو" في الأيام الأخيرة ستجد أن هناك حالة من "التلون" التي اصابت مصر في مجال كرة القدم على وجه الخصوص، فالصراحة والوضوح اصبحا ضمن "وجهات النظر" وليس الحقيقة.

حالة من الشحن الهائل شهدها الشارع المصري قبل موقعة الزمالك وصنداونز الجنوب افريقي في نهائي دوري ابطال افريقيا تتحدث عن "فرحة مصر" المنتظرة حال توجت القلعة البيضاء بالأميرة الإفريقية، وتوجيه الرأي العام في اتجاه واحد وهو "تشجيع الزمالك واجب وطني".

لو عادت بنا الذاكرة لسنوات بعيدة، سنجد أننا لم نكن بحاجة لمثل هذا الكم من الشحن والتوجيه فيما يخص مباريات الأندية المصرية بالمسابقات الافريقية، فملعب القاهرة الدولي كان شاهدا على حضور الألاف لدعم الاسماعيلي في تتويجه الافريقي الأول بالستينات على سبيل المثال.

وأيضا في فترة الثمانينات وحتى التسعينات وبداية الألفية كانت اعلام الأهلي والزمالك تظهر معا في المدرجات بالمباريات الافريقية، بل وفي احد المباريات للنادي الأهلي كان الهتاف في المدرجات بعد ضمان الفريق للفوز "عقبالك يا زمالك" ثم بعد ذلك "عقبالك يا مصري".

كانت تلك الأمور تحدث دون اي توصيات او توجهات اعلامية او شحن واستفزاز يؤدي للعند لفعل العكس، كان يحدث بشكل تلقائي وفطري من المصريين، ففي الأساس، ليس مطالبا لأي مشجع أن يتمنى التوفيق للنادي المنافس له، خاصة فيما يتعلق بالمسابقات القارية، فالقرار في النهاية يخص كل فرد، الأمر اختياري وليس اجباري ولا يمس لمسمى "الوطنية" في شئ.

لن اتحدث كثيرا عن فكرة مواقع التواصل الاجتماعي وروابط الجماهير ومتابعة المشجعين لما يحدث في العالم الأوروبي واللاتيني فيما يخص التشجيع، لكن ما لم يتم تسليط الضوء عليه هو انفتاح الكرة المصرية "اعلاميا" من خلال انتشار برامج "التوك شو" في الألفية الجديدة.

لم ينتبه الذين تحدثوا طوال الاسبوع الماضي نهارا وليلا عبر منابرهم الإعلامية عن الدور الوطني المنتظر لكل مشجع كروي في مصر فيما يخص مساندة الزمالك بل وقام البعض بوصف منافسي الزمالك الرافضين لمؤازرته "بالخونة" انهم سببا فيما وصلت اليه حالة الجماهير.

فالتلون واختلاف الآراء وفقا للمصالح الشخصية ونشر الخلافات والصراع من أجل السيطرة على المادة الإعلامية والخبر وتوجيه الجماهير "ليس للصالح العام" بل لدعم وجهات النظر ادى لتلك المشاحنات التي تسيطر على مواقع التواصل الاجتماعي والشارع الكروي المصري.

وتسببت الحالة العامة التي شهدها الإعلام المصري مؤخرا في زيادة "العناد" و"تراشق" الجماهير ولم تنجح الحملة رغم كل المنابر التي حاولت توجيه المشجعين لوجهة نظر واحدة وهي "مصر لازم تفرح" بفوز الزمالك، وعدم اقتصار الأمر على ملايين من عشاق القلعة البيضاء الذين انتظروا تتويج فريقهم بالأميرة الافريقية.

في السنوات الأخيرة وجدنا مشاهدة لاحتفالات جماهير الزمالك والإسماعيلي والمصري بخسائر الأهلي في دوري ابطال افريقيا واليابان، وظهور روابط لمشجعين النجم الساحلي وباتشوكا المكسيكي على مواقع التواصل الاجتماعي، هل معنى هذا أن هؤلاء كان هدفهم "افساد فرحة مصر" في ذلك التوقيتـ، بالطبع لا.

الغريب أن البعض حاول أن يروج لفكرة "طبيعي جمهور الأهلي يتمنى خسارة الزمالك والعكس" وهؤلاء بعد ان قاموا بنشر فيديوهات احتفالات جماهير الأهلي بخسارة الزمالك وتعليقاتهم على "السوشيال ميديا" هم نفسهم من اندهشوا لحدوث تلك الوقائع بل وتجاهلوا وقائع سابقة.

فالهدف من هذا السرد ليس نشر مزيدا من التعصب بين الجماهير، لكن من أجل ان نضع الأمور في نصابها الطبيعي ولا نقم بشحن الجماهير بشكل سلبي وارغامهم على امور "دخيلة" على كرة القدم بشكل عام ليظهر لنا الوجه الأخر والعكس ونبدي اندهاشا من تلك التصرفات، فكرة القدم هي رياضة وصناعة لتستمتع بها الجماهير، فلا تقتلوا تلك المتعة وتشعلوا الأمور بين الجماهير من أجل نسب مشاهدتكم.

يمكن للإعلام ان يقوم بحملات توعية للجماهير فيما يخص عدم الخروج عن النص في المدرجات بشأن التعامل مع المنشات الرياضية وطريقة دخول الجماهير للمدرجات بسلام والخروج دون مشاكل وعدم افتعال الأزمات والدخول في صدامات لا تفيد احد بل تضر الجماهير، الحث على أن لا يصل بنا التعصب في المدرجات لقتل بعضنا البعض، كل هذه الأمور يمكن للإعلام ان يوجه فيها الجماهير لا امور تزيد من الشحن والعند.

اذا توج الزمالك بدوري ابطال افريقيا كان هناك ملايين من المصريين المنتمين لنادي الزمالك سوف يسعدون ويحتفلون للصباح ولشهور بعودة الأميرة الافريقية والتأهل لمونديال الأندية، وعندما خسر الزمالك وقفت الجماهير تحيي اللاعبين وانصرفوا وعلامات الحزن تسيطر عليهم وهذه هي كرة القدم.

فبسبب المصاطب الإعلامية المختلفة الجماهير المصرية لم تعد مثل الستينات والثمانينات والتسعينات تحديدا، انتم من بدأتم في تحويل ثقافة الجماهير بطريقة عرضكم للقضايا المختلفة واختلافتكم ومشاحنتكم عبر المنابر المختلفة، فالقاعدة الحالية هي ان مشجع الأهلي لن يتمنى الفوز للزمالك والعكس صحيح الا بعض الاستثناءات وهذا طبيعي، كفاكم شحنا في الجماهير وتعاملوا مع الواقع بشكل محترم.

اتعجب من أن هناك من يرى مشاحانات الجماهير وتعصبها لأنديتها امر "غريب" في حين أن هؤلاء يمررون عبر منابرهم الإعلامية شماعات "السحر والشعوذة" بعد ان كانت مبررات كرة القدم تقتصر على "التحكيم والاجهاد"، كفاكم ."تلون"، مصر لم تعد تحتمل ما تقومون به

لمتابعة ومناقشة الكاتب عبر تويتر.. اضغط هنا