أصابني العَمَه أثناء متابعتي لبطولة الأندية العربية في مصر، تسائلت في البداية كيف للصورة البالية التي يظهر بها الدوري المصري أن تتحول لأخرى لامعة براقة بهذه السرعة، رغم أن المكان واحد والمسئولون لم يتبدلوا؟

جلست في تؤدة مشدوهاً وعيناي تتركز على الشاشة عالية الدقة يجذبها اللون الأخضر الواضح لأرض استاد السلام لكنها لا تتجول في المشهد، تحدق فقط باستقامة وتقيدها الألوان المبهرة فلا تتحرك، أما عقلي فكان قد وصل لمرحلة التأوه من هذا الآلم الذي دب فيه من فرط التفكير فيما أراه الآن وما رأيته منذ زمن منذ على نفس الشاشة.

زاد الضجر عندما رأيت خواء المدرجات المترسخ في ذهني يتلاشى وأصبح البشر يسكنون أحد أكثر الأماكن المظلمة في مصر، جماهير عربية ومصرية تحتفل في المدرجات وتشجع، وملعب به أهازيج وتفاعلات مع كل لعبة، فأين ذهبت الصورة القاتمة للدوري التي لو أجرينا دراسة على تأثيرها لوجدناها مساهمة في زيادة كآبة المصريين بنصيب الديكتاتور في أصوات الناخبين.

أين إبداع المخرج في تصوير البدر ومطابقته لوجه أحد اللاعبين أو المدربين، لماذا أصبحت أعداد كاميرات التصوير من رقمين بدلاً من الكاميرات الرديئة القليلة جداً التي تنقل مبارياتنا المحلية؟ لماذا يهتمون بالجمال ويكسون مضمار الملعب باللون الأزرق الذي يأسر القلب والعين ويجعل الراحة تسكنك فور رؤيته؟ لم لا وهو لون البحر والسماء.

شعرت أن نفسي تسخر مني لأن الإجابة قاطنة في غرفة التاريخ بعقلي لو تدبرت، فبرد فعل تلقائي عدت إلى خريف عام 332 قبل الميلاد عندما كانت قوى مصر قد نخرت وأساطيرها الفرعونية التي كانوا يظنونها سرمدية رزحت وتوارت فلم تكن حتى قادرة على مقاومة الفرس الذين كانوا المُحتل الغاشم الثاني لبلاد طِيبة مهد الحضارة والتاريخ.

المصريون كانوا يعانون من احتلال الفرس الذين هبوا مع رياح الشرق وسط هزيم وعاصفة جعلت التراب يطمر ما تبقى من عصر المجد الفرعوني، وفي ظل هذه الفترة القاحلة ظهر الإسكندر الأكبر طامعاً في احتلال الأرض المصرية وضمها لإمبراطوريته.

المحتل المقدوني هزم الفرس بسهولة وأخضع مصر لإمبراطوريته الإغريقية وتوجه إلى معبد الإله آمون "في عقيدة المصريون القدماء"، في واحة سيوة ليبارك جلوسه على عرش مصر من خلال آمون الذي كان يظنه آباه في السماء، فلجأ الإسكندر إلى كهنة الملك، هاه..؟ كهنته.

كهنة المعبد الذين كانوا يصفدون أبوابهم أمام المصريين ويحظرون الدخول لغرفة "الإله آمون" رحبوا بمغتصب أرض مصر الإسكندر الأكبر بعد أن أغدق عليهم بالمنح والهدايا، ثم داخل المعبد وفي الأماكن المحرم وطأها باركوه ابناً للإله آمون ووريثاً لحكم مصر.

شكرت المُعلق الذي جعلني أقفز فتكاد رأسي ترتطم بالسقف من شدة صوته المتهدج أحياناً والمحشرج غالباً، لم أتبرم منه هذه المرة لأنني خرجت فجأة من غرفة التاريخ بعقلي التي لا أفضل زيارتها كثيراً خاصة عندما يتعلق الأمر بسقوط ملوك مصر وضم أرض الأجداد العظماء لممالك وإمبراطوريات المحتلين.

ولذلك قررت ألا أكتب موجهاً اللوم إلى المسئولين لأنها عادة مصرية قديمة في فترات الوهن، لكن لا مانع من ذكر حقيقة أن المسئولين عن النقل التلفزيوني وتنظيم المباريات ووضع اللوائح وتطبيقها لا يستحقون أماكنهم ولا رواتبهم، وأن الفرصة لو أتيحت للشباب والمتخصصين لتنظيم البطولات لتبدلت الأحوال ورأينا صورة وأجواء البطولة العربية طوال العام، لكن بشرط ألا يقرأون قصة كهنة معبد آمون!

لمناقشة الكاتب عبر تويتر اضغط هنا، أوعبر فيس بوك اضغط هنا