في الوقت الذي تسيطر فيه الشخصيات السلبية على المشهد الرياضي، تظهر بادرة أمل في نجوم بحق الكلمة، كانت وستظل أساطير في أذهان جميع محبي الكرة المصرية عبر التاريخ، من بين هؤلاء رئيس النادي الأهلي محمود الخطيب «بيبو»، والساحر الجديد محمد صلاح جناح ليفربول الإنجليزي، فلم يكن بينهما يومًا موعدٌ أو لقاء، لكنهما تلاقا زمنيًّا وفكريًّا بالظهور للنور مؤخرًا في توقيت فارق بالنسبة لنا جميعًا، كي نتعلم منهم الرسالة.

لم يكن أبدًا نجم الكرة مجرد قناص للأهداف فحسب، إنما صار قدوة حسنة ونبراسًا ومقدمًا لرسالة إنسانية واجتماعية، فهو الواجهة التي تزيِّن محيطه المجتمعي، إما أن يكون عند حسن الظن بتقدير مسؤولية النجومية، وإما أن يغفلها وينطوي في تيار الغرور والشهرة والأموال دون أن يعبأ بأحد، وهو النوع الأكثر شيوعًا في السنوات الماضية، إلى أن جاء «صلاح» ليؤصل أفكارًا اندثرت، ويعيد إنتاج مفهوم الشهرة وقيمة النجم الحقيقة من جديد لدى اللاعب المصري، فكثيرًا ما خسرنا نجومًا مهاريين ومبدعين، لكن كانت تنقصهم كثيرٌ من الثقافة والوعي المحرك لكل هذا، وهو ما يقوم به «بيبو» على مقعد رئاسة أكبر الأندية في مصر والشرق الأوسط، ليعيد القيم والمبادئ المهدَرة في السنوات الأخيرة، كما وعد في برنامجه الانتخابي.

صلاح بات معلمًا وفيلسوفًا صامتًا مثل الخطيب، يعطي الدروس المستفادة للآخرين دون ضجيج أو صخب، رغم أنَّ الأضواء مسلطة عليه، وهو يعلم ذلك، لكنه أيقن بمرور الوقت والتجارب أنَّ العبقرية في الصمت، والاكتفاء بالأداء والحرص على تقديم صورة النموذج المثالي أفضل شيء، يحرك كل هذا قلب مؤمن ومخلص وضمير مستيقظ على الدوام، الأمر الذي انعكس عليه بالإيجاب داخل المستطيل الأخضر، فكان مؤثرًا في كل خطواته الاحترافية منذ أن خرج من «المقاولون العرب» في مصر إلى «بازل» السويسري، ومنه إلى «تشيلسي» الإنجليزي، ثم تجربتي إيطاليا «فيورنتينا» و«روما»، قبل التوهج مع «ليفربول» وتصدر قائمة هدافي الدوري الإنجليزي برصيد 14 هدفًا، محافظًا على بريقه التهديفي مع «الريدز».

حوار «صلاح» الأخير المنشور على صفحة ناديه الإنجليزي، والمتزامن مع دخوله القائمة النهائية على جائزة أفضل لاعب في أفريقيا، عكس محاور كثيرة في شخصيته، لكن أبرزها وأفضلها على الإطلاق، تأكيده رغبته في التعلم من أي مكان يدخله أو أي شخص يتعامل معه، وهو ما يفسر سرَّ تطور «صلاح» الفني لمَن تابع ظهوره الأول، فكانت تنقصه العديد من الفنيات، وكانت النصائح توجَّه إليه بشكل مباشر من قبل نجوم كبار بحجم صديقه محمد أبوتريكة، وميدو، عبر استديوهات التحليل التلفزيونية.

لم يغضب «صلاح» يومًا وظلَّ يتعلم ويتعلم، حتى بدأ يؤثر في أفكار المحيطين به، سواء زملاءه اللاعبين، أو حتى الشباب العادي؛ لأن «صلاح» خرج من نفس بيئة المعاناة التي يتخرج فيها ملايين الشباب المصري يوميًّا، وهو ما يرسخ قيمة تجربته، فلم يكن يومًا مرفهًا.

ظني أنَّ نجومًا محترفين بحجم أحمد حجازي وعمر جابر وعمرو وردة وأحمد حسن كوكا، كان من السهل عليهم اتخاذ قرار العودة إلى مصر للعب مجددًا في الأهلي والزمالك مع الصعوبات التي تعرَّضوا لها في أوروبا، لكن وجود رمز بحجم «صلاح» وهو يزيِّن هذه الكوكبة دفعهم للمواصلة والمثابرة، فمثلاً سبق وخاض حجازي الاحتراف في «فيورنتينا» و«بيروجيا» الإيطاليين بعد الإسماعيلي، لكن مع بعض الصعوبات والإصابة عاد إلى مصر، لتختلف تجربته هذه المرة مع وست بروميتش ألبيون الإنجليزي ومؤخرًا حوَّل إعارته إلى بيع نهائي، رغم غضب الأهلاوية منه، لرغبتهم في عودته لضبط إيقاع الدفاع الأحمر، جابر ذهب للاحتراف بعيدًا في لوس «أنجلوس الأميركي» للحفاظ على هويته المحترفه، بعد أن تولد لدى الجيل الجديد الرغبة في صناعة إنجاز يحسب لهم، بعد إنجاز التأهل إلى كأس العالم الغائب منذ 28 عامًا.