شتاء 2005

نسمات الهواء التي أراد البطل أن يسنشقها في لياليه الأخيرة، أبت أن تبادله نفس الشعور، شكلت جبهه قوية لمحاربته مستغلة طقس بارد في ليالي فبراير الماطرة، فالمرض كان قد اوصد بيبانه عليه، لكنه كمحارب يرفض الموت على فراشه، يؤمن بضرورة النزال في ساحات القتال حتى الرمق الأخير.

ثابت الذي عاش أيامه الأخيرة متهيئا لرحيل وفراق عن عشقه الأبدي، أبلغه الأطباء بأن سبيله الوحيد للتكيف مع وضعه الحالي في أيامه الأخيرة، هو عدم الحركة ولا المرور خارج غرفته، تحسبا لعدم تأزم حالته الصحية، لكنه ضرب بتعليماتهم عرض الحائط، غير مكترث لما يقولون.

في ليلة القمة وقبل صافرة بداية النزال المرتقب بين الأهلي والزمالك، تفاجأ الجميع بأسد متلفحا بسترته الكثيفة، يبدو على ملامحه الإعياء والتعب، كملك أنهى معركة درات رحها في الخارج قبل سويعات.

جلس البطل على كرسي يتأمل ملامح لاعبي فريقه، وكأنه يريد أن يبعث لهم برسالة قبل رحيله، لكن لم يكن أحد على درايه بأن هناك حربا دروس خارج الملعب، بين البطل ومرضه.

المرض يريد التنكيل به وعقابه لرفضه الانصياع لتعليمات الأطباء له، وهو على الجانب الآخر يتلقى طعنات الألم دون الوشاية لأحد بما يدور بداخله من وجع، غطائه الواقي من برودة الطقس، لم يكن حصنه الأمن في تلك اللية العثرة، الجميع تركه وانخرطوا في الجري خلف جلد مدور باحثين عن ما يصنع لهم مجدا زائل، ومن بالخارج ينتظرون هز الشباك، وحده الذي جلس ليدافع عن جسده، قبل أن يقتلعه المرض من جذوره.

ليلة 13 من شهر فبراير

الأجواء رغم برودتها لكن سخونة المواجهة في الميدان بين اللاعبين زادت من حراراة الأجواء، لكن هذا الشعور الساخن لم يتسلل لجسده، الذي انهكه المرض في أيامه الأخيرة، النتيجة كانت تشير لتقدم الأهلي، مع أفضلية في أرض الميدان، الكرة ترسل داخل مناطق الخطورة للزمالك، يحولها أبو تريكة لهدف في الشباك، معلنا عن الهدف الثاني للفريق الأحمر.

الملعب ينفجر بعد هدف أبو تريكة في شباك الزمالك، لكنه صاحب الهدف رفض الاحتفال مع الجماهير كعادة نجوم الكرة، وقطع ماراثون بداية من خط مرمى الفريق المنافس وحتى منطقة جلوس لاعبي الأهلي للوصول لثابت البطل، لتقبيل راسه، وكأنه كان يشعر بأنه ستكون اخر لقاء بينهما.

سيظل هذا المشهد هو الخالد في عقول جماهير النادي الأهلي، حين شاهدوا أحد أساطيرهم يرفض الاستسلام في مرضه قبل وفاته ساعات من أجل مؤازرة فريقه، ضاربا المثل لمن يلهثون وراء المال تحت غطاء "الاحتراف".