بطولات كأس العالم فرصة دائما للدولة المستضيفة لتكون محور اهتمام كوكب الأرض، وبالتالي يمكن أن يتم استغلال ذلك لأهداف سياسية، أو لتصفية حسابات قديمة، كما سجل التاريخ من قبل.
وتعيد الإجراءات الأميركية قبل انطلاق مونديال 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك في الفترة من 11 يونيو الحالي وحتى 19 يوليو المقبل، أحداث وقعت قبل عشرات السنين إلى الأذهان.
وشهدت بعض نسخ المونديال السابقة، ترتيبات سياسية استثنائية، مثلما فعل بينيتو أندريا موسوليني رئيس إيطاليا الأسبق ومؤسس الحركة الفاشية، خلال بطولة كأس العالم 1934 التي فازت بها بلاده.
مونديال موسوليني
وبينما كانت مصر تشارك لأول مرة في تاريخها ببطولات كأس العالم، عام 1934، كانت إيطاليا تتعامل مع البطولة وكأنها حدثا استثنائيا يجب أن يتم استغلاله لأهداف سياسية.
ودأب النظام الإيطالي وقتها على استغلال الحدث من أجل زيادة الدعاية الفاشية وتوطيد حكم موسوليني، إذ طُبع أكثر من 300 ألف ملصق خلال استضافة البطولة يشمل تصميمات تجمع بين التحية الفاشية وكأس العالم وكرة القدم.
وخلال المونديال الذي أقيم في 8 مدن إيطالية، كانت ملصقات النظام الفاشي في إيطاليا تغرق الشوارع، وأجبر موسوليني المنتخب الإيطالي إلى تأدية التحية الفاشية قبل المباريات كتقليد أساسي ورسمي في المونديال.
وبهذا الشكل تحول كأس العالم 1934 إلى عرض سياسي ضخم لموسوليني والحركة الفاشية، وكانت هذه الفكرة ملهمة للغاية لأدولف هتلر الزعيم النازي الذي كررها بتفاصيل مختلفة في أولمبياد برلين بعد عامين فقط.
ووضع موسوليني ضغطا شديدا على المنتخب الإيطالي، وكذلك منافسيه في المونديال، بحضور المباريات في الملعب، كما تشير مصادر تعود إلى 92 عاما سابقة إلى أن الزعيم الإيطالي كان يتدخل في الكواليس لمساعدة منتخب بلاده على الفوز.
وذكر موقع "زيس فوتبول تايمز" أن موسوليني ونظامه الفاشي تدخلوا في تعيين الحكام من أجل مساعدة إيطاليا على الفوز بكأس العالم، وعدم إفشال خطة الدعاية التي صاحبت كل مباريات أصحاب الأرض في كأس العالم.
ويشير موقع "هيستوري يو كيه" إلى أن نهائي كأس العالم 1934 الذي شهد فوز إيطاليا على تشيكوسلوفاكيا 2-1 كان مثيرا للشبهات، بعد انتشار شائعات تؤكد لقاء موسوليني بحكام المباراة، ومواجهة السويدي إيفان إكليند الذي أدار النهائي، واتهم بمجاملة أصحاب الأرض.
واحتج منتخب تشيكوسلوفاكيا خلال المباراة بسبب عدم احتساب الحكم لمخالفات اعتبروها صارخة، وتجاهل احتساب ركلتي جزاء واضحتين، لتصف صحافة براغ التحكيم في النهائي بالفضيحة، لكن الفيفا لم ينظر إلى هذا الأمور ولم يفتح تحقيقات على الإطلاق.
مونديال ترامب
ومع القرارات المتسارعة التي يتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية والأخيرة في البيت الأبيض، تأثرت بطولة كأس العالم 2026 بها، خاصة في مسألة رفض منح التأشيرات للاعبين وحكام ومسؤولين لدخول الولايات المتحدة خلال البطولة.
وفي ظل الحرب التي تشنها إسرائيل وأميركا على إيران منذ نهاية فبراير الماضي، وجه ترامب رسالة إلى المنتخب الإيراني في مارس الماضي، وقال إنه لا يجب أن يشارك في كأس العالم بأميركا "حفاظا على سلامته"، في تدوينة عبر منصة "تروث سوشيال".
ثم عاد ترامب وصرح بعد ذلك بأنه ليس لديه مشكلة في مشاركة إيران في كأس العالم، بعد ظهور تقارير أشارت إلى رفض اقتراح البيت الأبيض على الفيفا استبدال إيران بمنتخب إيطاليا في المونديال.
وفي المقابل سجلت إيران واقعة استثنائية بأن باتت أول دولة في التاريخ تذهب إلى ضيافة دولة أخرى تحاربها للمشاركة في بطولة كأس العالم، الأمر الذي دفع أميركا لرفض استضافتها باستناء يوم المباراة فقط، ليضطر الفريق القادم من معسكره في أنقرة إلى الإقامة في المكسيك بالقرب من الولايات المتحدة.
ومثلما حضر موسوليني نهائي كأس العالم، دأب دونالد ترامب في الفترة الأخيرة على استغلال الأحداث الرياضية للظهور من خلالها، كان آخرها حضور نهائي دوري السلة الأميركي للمحترفين NBA بين سبيرز ونيكس الذي انتهى بفوز الأول في نيويورك لتصبح النتيجة 2-1 في سلسلة الأفضل خلال 7 مباريات.
كما حضر ترامب العام الماضي نهائي "سوبر بول"، ونهائي كأس العالم للأندية في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يحضر عدة مباريات في كأس العالم بأميركا، من بينها المباراة النهائية للبطولة.
وفي حادثة غير مسبوقة رفضت أميركا منح تأشيرة الدخول للحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان المدرج ضمن حكام الفيفا في البطولة وأعادته إلى آخر نقطة ترانزيت في تركيا، كما رفضت منح 15 شخصا من المسؤولين في الجهاز الفني والإداري ضمن بعثة منتخب إيران.
وعانى مشجعو بعض الدول من رفض تأشيرات الدخول لحضور مباريات كأس العالم ومن بينهم مشجعون من المغرب وهايتي وكوت ديفوار والسنغال والجزائر وتونس بسبب القيود التي وضعها ترامب حول منح التأشيرة قبل أشهر من المونديال.
وأطلق ترامب حملة "White House Task Force" كحملة دعائية لتحسين صورة الولايات المتحدة وإظهار "الضيافة الأميركية" مع الاحتفال بذكرى 250 سنة على استقلال أميركا، تزامنا مع كأس العالم.
وكان ترامب قد هدد بتغيير جدول مواعيد المباريات وأماكن إقامتها، واعتبر مدينة بوسطن غير آمنة بسبب سياساتها المحلية، بحسب تقرير لشبكة "بي بي سي"، قبل أن يتراجع ويقرر ترك الأمر للفيفا.
ويرفض ترامب بأن يكون كأس العالم 2026 مستغلا سياسيا من "أعداء أميركا"، لكنه يريده أن يكون النسخة الأفضل في التاريخ بحسب تصريحاته، على الرغم من الانتقادات الموجهة لإدارته باستغلال المونديال على الطريقة القديمة.