تتوافر بين يدي عشاق ومتابعي كرة القدم الأوروبية ثلاثة نماذج متنوعة، يربط بينهم خيط رفيع من الطموح نحو مستقبل أفضل، لكن يظل الخلاف قائمًا بينهم في مسألة التناول والتعامل مع هذا الطموح، فإذا ما اعتبرنا أن تهافت العروض ما هو إلا نتيجة طبيعية لتألق نجم الكرة في العالم- كلاً حسب قدره وموهبته- فإن صياغة الانتقال رقم مهم في المعادلة الاحترافية المنضبطة، وعليها تتوقف أمور كثيرة.

إما أن يصل اللاعب إلى طموحه المرسوم، أو يظل كما هو في مكانه، أو ينتهي الأمر بتدميره نهائيًا بخطوة غير محسوبة العواقب نتيجة سوء تقدير للموقف من البداية، وفي كل الأحوال نلاحظ هنا أن المسألة برمتها متوقفة على قرار وعقلية من يدير.

مؤخرًا وبعد غلق باب القيد الشتوي، بات البرازيلي الشاب فيليب كوتينيو لاعبًا في برشلونة، بعد فترة من «لي ذراع» ناديه ليفربول الإنجليزي، بينما فشل الهداف الجزائري رياض محرز في عمل نفس السيناريو مع ليستر سيتي الإنجليزي، وبقى متخبطًا، في حين يقف بتفرد شديد النموذج الثالث المصري محمد صلاح جناح ليفربول الإنجليزي، الذي تعامل مع ترشحه للانتقال إلى أحد قطبي الكرة الأرضية ريال مدريد أو برشلونة بعقلانية يحسد عليها عبر تصريحاته في الحوار الأخير مع صحيفة «ماركا» الإسبانية، حيث قال «ليس لدي ما أقوله في هذا الشأن، أنا فقط أشعر بالسعادة مع ليفربول».

صلاح يواصل العمل بشرف في رحلة كفاحه، فلم يتأثر ببريق أقوى ناديين في العالم، بل لم يعرهما انتباهه مفضلاً الخروج بتصريحات منطقية تشير إلى ترحابه بالأمر- حال حدوثه عمليًا- لكنه في الوقت نفسه لن يتخلى عن تركيزه مع «الريدز» الذي تحول معه إلى فتى ذهبي مدلل داخل «أنفيلد» تتغنى باسمه الجماهير مع كل هدف يحرزه، ويصبح من كبار هدافي أوروبا برصيد 22 هدفًا، وسط منافسة شرسة مع مهاجم توتنهام ومنتخب إنجلترا هاري كين على لقب هداف «البريميرليج» والذي يتفوق بفارق هدف واحد، كما عزز مركزه خلف نفس اللاعب في جدول ترتيب هدافي الدوريات الأوروبية للحصول على الحذاء الذهبي، مستثمرًا فشل أسطورة برشلونة ليونيل ميسي في زيادة حصيلة أهدافه أمام خيتافي، حيث يملك 20 هدفًا في «الليغا» هذا الموسم.

لا ينقص صلاح للتتويج بالبطولات هذا الموسم إلا بعض الأمور الفنية الخارجة عن إرادته تمامًا، متمثلة في وجود دفاع قوي وحارس مرمى متمرس، وقتها لن يقف أحد أمام ليفربول محليًا وقاريًا، لكن مع الأسف الشديد لا يجد من الخطوط الخلفية من يحافظ على أهدافه المتواصلة في شباك المنافسين، ليضيع مجهوده وزملائه هباءً، وتبقى الإنجازات فردية للفرعون المصري الذي يجني ثمار إخلاصه لأي مكان ينتمي إليه، بعكس الجزائري رياض محرز الذي توارى عن الأنظار هذا الموسم، رغم أنه من كبار الهدافين العرب بـ«البريميرليغ»، حيث سجل 35 هدفًا وصنع 24 هدفًا في 127 مباراة، إلا أنه دخل في دوامة إحباط من فشل انتقاله إلى مانشستر سيتي الذي عرض 60 مليون جنيه إسترليني، لكنه لم يرتق للسعر المطلوب من ليستر سيتي، واختفى لفترة دون أن يكشف عن مكانه، قبل ظهوره مجبرًا بعد أن بات أمام الأمر الواقع.

بالتأكيد حاول محرز تطبيق سياسة التمرد التي اتبعها فيليب كوتينيو مع ليفربول من غياب عن التدريبات والمباريات، وإبداء التذمر الشديد من عدم الموافقة على الرحيل إلى برشلونة قبل الإتمام رسميًا في الشتاء بصفقة ضخمة قدرت بـ142 مليون جنيه إسترليني، ليصبح ثالث أغلى صفقة في تاريخ كرة القدم، كما تضمن شرطًا جزائيًا بقيمة 400 مليون يورو (355 مليون جنيه إسترليني)، لكن محرز فشل في محاولاته وبدلاً عن الانضمام إلى مانشستر سيتي العملاق والمنافس على لقب الدوري الإنجليزي بقي مع ليستر المتواضع الذي حقق اللقب الوحيد في تاريخه قبل موسمين، تمرد هنا وآخر هناك، وبينهما أخلاقيات صلاح التي لا تتبدل قط.