*
جميع المباريات

الدوري الإيطالي

برعاية

إعلان

زلاتان إبراهيموفيتش.. حامل الدخان (بروفايل)

إبراهيموفيتش

إبراهيموفيتش

كتب- محمد زكريا:

كأنه لاعب تايكوندو يوجه الركلات، لطالما أحرز زلاتان إبراهيموفيتش أهدافا قوية، رائعة وغير اعتيادية، وبجسد ضخم، مرتفع يحتفل بفرد ذراعين طويلين كأنهما لطائر جارح، فيما ينظر إلى الجمهور باستعلاء، يدخن السيجار على أرض الملعب، وكأنه يقول إنه فوق الجميع، إنه تمثال لم ينحت له مثيل، سلطان من زمن فات، ولذلك في نفسه شفاعة.

11 عاما كاملة لم يحصد ميلان الدوري الإيطالي، لكنه فعل أخيرا. "عدت حتى يستعيد ميلان بريقه"، هكذا فسر إبراهيموفيتش قراره بالعودة لقيادة هجوم ميلان في عام 2020، بعد فترة أولى بين عامي 2010 و2012 شهدت قيادته الفريق لتحقيق الدوري والسوبر الإيطالي، وها هو أوفى بوعده، وفي عمر الـ40.

لطالما أحب السويدي صورة الرجل القوي القاسي، وسعى طوال مسيرته لينال اعترافا من الجميع، أطلق التصريحات الرنانة، فرض شخصيته في الملعب، وكان أنانيا عدائيا في بعض الأحيان، حادا في التعبير عن نفسه أمام الكاميرات وأسئلة الصحافيين.

أراد زلاتان أن ينقل صورة معاكسة لما ترسخ بداخله منذ الولادة، أراد أن يُمحو ماض، يقتل إنسانا فقيرا، هشا.. فإذا أردت الولوج إلى شخص ما عُد إلى ماضيه. لا شيء يولد في الفراغ. وكل دخان يسبقه نار.

صورة 1

في أكتوبر عام 1981، خرج زلاتان إبراهيموفيتش إلى الدنيا، لأب مسلم بوسني الأصل، وأم كاثوليكية من كرواتيا، كانا التقيا في السويد، بعد الهجرة إليها. ترعرع السويدي في حي روزنبرغ بمدينة مالمو، أفقر مناطق السويد وأكثرها احتضانا للمهاجرين وقتها، فيما عانى شظف العيش وسوء التعليم وعنصرية من يرددون أنه ليس سويديا.

رغم ذلك لم تكن تلك أكبر مشاكله. فما عاناه بين الأطفال في الشارع، التأم مع مشاجرات لا تنتهي بين والديه في المنزل، انتهت بطلاقهما، فيما حصلت الأم على حضانته، بينما أصاب الطفل متلازمة الهزال، حيث عانى من فقدان الوزن وضعف في العضلات، قبل أن يضطر إلى التكيف مع الوضع الجديد.

صورة 2 عاش زلاتان في بداية الأمر مع أمه وأشقائه الـ5، حيث كانت والدته عاملة نظافة، تكسر الملاعق عندما تضربه، وتجبره على شراء أخرى عوضا عنها، قبل أن تفقد الوصاية عليه، لينتقل للعيش مع والده، وكان لا يزال متأثرا بحرب البلقان، لا ينقطع عن متابعة أخبار بلده مدمنا على الكحول، فيما لم يعر زلاتان أي انتباه، لينتهي الحال بالصغير سارقا، "عندما كنا بحاجة إلى شيء، كل ما كان علي أن أفعله هو الذهاب إلى المتاجر والسرقة، وكانت لدي علاقة جيدة بشكل خاص مع الدراجات" قال زلاتان.

في ظروف كهذا، برزت الكرة أمام زلاتان حلا سحريا، ترك التعليم في المرحلة الثانوية، وكان حلم الملاعب مهربا من التدني الاجتماعي، فيما اتخذ من الأمريكي الجنوبي رونالدو مثلا أعلى.

صورة 3

كان عمره 6 أعوام، عندما تنقل بين العديد من الأندية، حتى استقر به المطاف في نادي مالمو السويدي، فيما لم يُظهر اللاعب حتى الـ12 عاما ما يميزه عن أقرانه، "لم يلفت انتباهي إليه ابدا، لم يكن استثنائيا على كل حال، لكنه نما بسرعة بين عمر الـ15 والـ18، وأصبح موهبة حقيقية بين الـ18 والـ19" كما صرح هاكان دجيبسون رئيس نادي مالمو.

ما بين الـ15 والـ18 عاما أظهر زلاتان ثقة في نفسه تفوق الحد. تشرب زلاتان حب الملاكم محمد علي كلاي من والده، وكانت مبارياته أكثر ما يجمع الابن بأبيه الغائب عن الوعي. تأثر اللاعب الصغير بتصريحات الملاكم الفخورة عن نفسه، واتخذه قدوة، حيث أراد أن يكون اللاعب الأعظم على درب الملاكم الشهير. "اعتقد زلاتان أنه مارادونا الجديد"، هكذا عبر أحد زملائه في مالمو، متجهما من سلوكه وسط الفريق. فيما "بدا هذا الغرور مُزعجا للمجتمع السويدي، والذي ينظر إلى نفسه على أنه عادل مع الجميع" في رأي دافيد لاجركرانتز صاحب كتاب "أنا زلاتان".

لم يعتبر هاس بورغ مدرب نادي مالمو أن إبراهيموفيتش "مغرورا على الإطلاق"، بينما يرى فيه شخصا "محببا ورائعا، لكن خلفيته أثرت عليه كثيرا، وكان الغرور قناعا يحمي به نفسه، لأنه يشعر بالضعف"، بينما كانت "الثقة الزائدة" مفتاحا لنجاح اللاعب في رأي آرسين فينجر، مدرب نادي أرسنال الإنجليزي، والذي حكى مبتسما: "أرسلت له وهو في الـ17 من عمره أطلب منه المشاركة في تجربة أداء، لكنه رفض ذلك بشدة، وقال لي: أنا لا أقوم بتجارب أداء، إما أن تأخذني أو لا تأخذني".

أحاط زلاتان نفسه بأسوار، تعامل كنجم قبل أن يكن، برع في التحكم بالكرة بينما فشل بالتحكم في نفسه، استمتع بإهانة خصومه أكثر من إحرازه الأهداف.

في مارس 2001، انتقل إلى نادي أياكس أمستردام الهولندي، مقابل ما يقارب 9 ملايين يورو، وعندما شاهدت أمه صوره على التلفاز، وكانت لا تجيد اللغة السويدية، ظنت أن مكروها أصابه وشعرت بالقلق، فاتصلت به خائفة: "ماذا حدث؟"، فقال لها: "لا شيء.. فقط تم انتقالي إلى أياكس أمستردام"، بكت الأم فرحا ساعتها، وعندما عاد إلى المنزل: "ضمتني بقوة.. لقد كانت سعيدة جدا".

صورة 4

منذ الصغر حلم زلاتان بشراء سيارة لامبورجيني، وكان له ما أراد. لم يصدق نفسه عندما دخل إلى معرض السيارات للمرة الأولى ليختار ما يُرضي غروره، لكنه طمأن نفسه: "علي التعود على ذلك".

لم يطلب زلاتان المال حبا له، بل وسيلة للحصول على المكانة الاجتماعية، وكان جمع المال هو التحدي الجديد، ليس رغبة به كقيمة مادية، لكن معنوية أيضا. أراد دوما أن يُدفع له حسب قيمته، بينما كره أن يستغله الناس، وكان يردد دائما: "إذا أردت استغلالي فسأستغلك في المقابل"، بينما الكرة داخل سيارته يركلها عندما يشعر بالإحباط.

صحفي:
إلى أي نوع من اللاعبين تنتمي؟
زلاتان:
أنا؟! أريد إظهار ما لدي وليس الحديث عنه، لذا يمكنك العودة مرة أخرى عندما ألعب.

أحرز زلاتان هدفين في مباراته الأولى مع أياكس، هدفين رائعين، "لكن يمكنك أيضا القول إنه قرأ كتاب: (وحدي على الأرض)، يجب عليه بالقطع أن يتعلم أن كرة القدم ليست هي اللعب منفردا" كما صرح كو أدريانسي المدير الفني لأياكس وقتها.

السويد وهولندا يلتقيان في مباراة ودية، يتداخل زلاتان بخشونة مع رافاييل فان در فارت، زميله في أياكس ومنافسه في المباراة الدولية، ليخرج الهولندي من اللقاء مصابا بقدم السويدي، ويكون اللاعبان على موعد في اجتماع مع إداري الفريق بأمستردام، وبينما يجلس الجميع على الطاولة لتصفية الأمر، أطلق السويدي سهامه الحادة تجاه فان در فارت: "أنت لا تروق لي قائدا للفريق؛ لأنك تتحدث من وراء ظهري، وكان أولى أن تتحدث إلي.. إن تكرر هذا سأقطع عنقك".

كانت الأجواء متوترة في المباراة التالية، والجمهور الهولندي غاضب على اللاعب السويدي، أحرز زلاتان 3 أهداف، والأخير كان مذهلا، قال عنه المعلق لروعته إنه هدف لمارادونا وزيدان وأيضا لإبراهيموفيتش، لتتحول الصافرات الهولندية الغاضبة إلى مشجعة في الأخير، سأله مذيع بعد المباراة: "هل يمكنك أن تصف لنا زلاتان لأن الكثيرين من الهولنديين لا يفهمونه؟"، فجاء رد السويدي مستغربا: "لم أسمع هذا السؤال من قبل، أعتقد أنك أنت الوحيد الذي لا يفهم، لذلك ينبغي عليك أن تسأل الناس من هو زلاتان"، ليبادله المذيع سؤالا: "ماذا برأيك سيقولون؟"، ويرد إبراهيموفيتش في ثقة: "اسألهم".

يحظى طفل بفرصة إجراء مقابلة تلفزيونية مع زلاتان، ليلقى معاملة ودودة من اللاعب السويدي المحترف في هولندا، لكن بدلا من أن يسأله الطفل عن مهاراته وأهدافه الرائعة، بدأ مقابلته بالسؤال عن سبب حصوله المتكرر على الكروت الصفراء والحمراء، ليعلو صوت ضحكة زلاتان، ويجيبه على عكس ما اعتاد في مواقف كهذه: "ربما علي البدء في التخفيف من حدة طباعي"، يبدو أن إبراهيموفيتش أحب هذا الطفل كثيرا.

بيع زلاتان لنادي يوفنتوس الإيطالي، في أغسطس عام 2004، في صفقة بلغ مقدارها 16 مليون يورو. هناك في إيطاليا استقبله مدرب الواقعية فابيو كابيلو: "كان كل ما يهمه هو المتعة وليس تسجيل الأهداف. قلت له: في السيرك يبحث الناس عن المتعة، لكن في المدرجات يبحثون عن تسجيل الأهداف.. لقد فهم".

تحول إبراهيموفيتش إلى "آلة أهداف"، تألق مع إنتر ميلان، برشلونة، إيه سي ميلان، باريس سان جيرمان، مانشستر يونايتد، لوس أنجلوس جلاكسي، قبل أن يعود مرة أخرى إلى ميلان.

بلغ السويدي من العمر 40 عاما، أراذل العمر في حساب الساحرة المستديرة، بينما لا يزال يقدم أدائا رائعا وعروضا لا تليق إلا بالسلاطنة، كان الدوري الإيطالي الأخير هو الرقم 32 في سجل ألقابه المحلية والقارية والدولية، لكن "روزنبرغ" لا تترك زلاتان أبدا، حتى وإن غادرها منذ زمن بعيد.

وقتما كان يلعب لميلان في المرة الأولى، زاره الصحفي السويدي دافيد لاجركرانتز في منزله، ذاك الرجل الذي نشر كتاب: "أنا زلاتان" فيما بعد، وبينما يحكي له السويدي عن مظاهر نشأته القاسية في روزنبرغ بمالمو، وكيف أنه كان يعود إلى منزله جائعا ليجد الثلاجة فارغة إلا من الماء، فاجأه بفتح ثلاجته على مصراعيها ليريه كيف أصبحت ممتلئة عن آخرها بأشهى الطعام.

صورة 5

استخدم زلاتان عصارة غضبه دائما كقوة دافعة إلى الأمام. كان تذكره لثياب زملائه في المدرسة، يستلزم ارتداءه أغلى الثياب وهو أعتى النجوم. فقره الأولي يدفعه إلى جني المزيد والمزيد من المال. فلطالما شعر زلاتان بأنه أدنى من غيره. الانتقام الاجتماعي كان ماثلا دائما أمامه. فلم يتوقف يوما عن ترديد: "سأوريكم".. "إياك أن تنظر إليه بدونية، سيدفعه ذلك للتذكر والغضب" نصيحة استخلصها الصحفي السويدي دافيد لاجركرانتز من حديث مطول مع "السلطان".

نال زلاتان لقب أعظم لاعبي السويد على مر تاريخه، أصبحت "زلاتان" تعني "الهيمنة" بالسويدية، تقديرا لما أسهم به في رفعة اسم بلده في عالم الجلد المدور، نثر آمالا في سماء مالمو، نجمته المضيئة لفتت إليها الأنظار، تحولت من مدينة صناعية للكادحين إلى مدينة متطورة، تهتم بالتعليم، وأسس ملعبا، فيما صار الناس يرددون هناك: "يمكننا تحقيق الأفضل إذا".

كأنه أراد بالتغيير أن يمحو ذاك الماضي، أن يبقى تمثالا غير قابل للكسر، سلطانا قويا عن حق، ارستقراطيا يحمل السيجار وينفث دخانه بأريحية كاملة، لكن ليت كل ما يتمناه المرء يدركه!

إعلان

أخبار تهمك

إعلان

التعليقات