بدايةً، يعترف كاتب السطور القادمة بأنه من محبي برشلونة، يؤمن بالقدر، مُعترف بوجود المعجزات، ولكنه يفكر بواقعية ويحاول تحليل الأمور كافة مهما كانت درجة أهميتها لاعتقاده بتداخل المواقف الحياتية وترابطها ببعضها البعض.

عقارب الساعة تشير إلى 11:25 مساءً، دقائق قليلة وتنتهي مباراة برشلونة مع باريس سان جيرمان لينتهي معها يوم عمل آخر، ومن ثم الاستعداد إلى خوض رحلة تصل إلى 180 كيلو متراً من أجل العودة إلى مسقط رأسي لقضاء العُطلة الأسبوعية.

عشر دقائق أخرى مرت بسرعة البرق، كانت شوارع القاهرة خلالها هادئة بناء على نظره من شرفة مقر العمل، ولكن المعجزة حدثت في ملعب كامب نو عندما نجح برشلونة في تسجيل ثلاثة أهداف متتالية ليحقق عبوراً تاريخياً، ليحتفل من أراد، ولتظهر ضحكات عالية متعجبة مما شهدته هذه الدقائق المجنونة.

انتهت المباراة وحان وقت الرحيل لبداية الرحلة الطويلة التي قد تمتد حتى أذان الفجر، وربما ما أبعد من ذلك، وهنا كان طلب سيارة من أحد شركات نقل الركاب الخاصة أهم من الاحتفال بالفوز، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه فإنه سيفتك بك على الطريق الزراعي.

وصل السائق -أو الكابتن كما يفضلون مناداته ولهم الحرية- الذي لا يزيد عمره عن 30 عاماً في وقت قياسي، حددت وجهتي ومن ثم انطلقنا لأجد شوارع القاهرة باتت مكتظة بالأفراد والسيارات، الأمر مختلف تماماً عما كان منذ دقائق قليلة، يبدو أن الرحلة ستكون شاقة!

وهنا دار الحديث...

العبد الفقير لله: الناس والعربيات دي طلعت منين.. الشارع كان فاضي من شوية.. ده كله علشان الماتش؟

الكابتن: هو الماتش خلص كام صحيح يا فندم -هكذا تطالبهم الشركة بمناداة الركاب-؟

العبد الفقير لله: 6-1 لبرشلونة وصعدوا لدور الثمانية.

الكابتن متعجباً: أزاي؟! من 10 دقايق كان معايا حد وسألته على النتيجة وقالي 3-1 بس.. أزاي 6-1؟!

العبد الفقير لله: لا ما في 3 أجوال في آخر 3 دقائق والوقت بدل الضايع.

الكابتن: غريبة والله، على حد علمي أن باريس ده فريق قوي، مش بني عبيد يعني.

وهنا أيقنت أن سائق السيارة ليس متابعاً قوياً للمباريات، بالكاد يعرف أسماء الأندية ولديه بعضاً من المعلومات البسيطة عنها، ووجود عميل آخر معه أثناء الشوط الثاني من المباراة أكد المعلومة، فبالتأكيد "لقمة العيش" أهم له من متابعة اللقاء مهما كانت أهميته وقوته.

خمس دقائق من الصمت، وتظهر في الخلفية أغنية Never Give Up " لا تيأس" للأسترالية سيا، بينما أتصفح هاتفي وأتابع ردود الأفعال عن المباراة عبر فيسبوك وتويتر منتظراً من طلبت منهم إظهار أنفسهم بعد السخرية من توقعي بإمكانية عودة برشلونة للتأهل بعد الخسارة برباعية ذهاباً.

ويعود الكابتن لكسر الصمت...

الكابتن: هو أحنا ضُعاف كدة ليه؟!

يدور في رأسي: يبدو أن هواء كورنيش النيل قد أتى بمفعوله وأنا في حالة لا تحتمل لأي هراء بعد يوم عمل طويل.

العبد الفقير لله: أحنا مين؟

الكابتن: أحنا.. أنا ومعظم الشباب أو المصريين عموما.

العبد الفقير لله: مش فاهم بردة، وضحلي علشان أعرف أرد عليك.

الكابتن: برشلونة ده اللي كسب في آخر كام دقيقة.. مش عمل كدة علشان كان حاطط الهدف ده أدامه؟ مش الناس دي عندها مخ وإيدين ورجلين زينا؟

العبد الفقير لله: أكيد زينا.. لكن دي ناس عندها موهبة معينة وبتتميز بيها وبتشتغل عليها علشان تطورها.. وطورتها فعلاً وبقوا من الأفضل في العالم.

الكابتن: ما كل واحد فينا عنده موهبة، لكن مشكلتنا أن محدش بيحاول يكتشف نفسه، كله عايز يريح ومستني اللي ربنا يبعته، لكن لو كلف نفسه وعرف موهبته وطورها وكان عنده إرادة هايوصل للي بيتمناه.

وهنا، أغلقت إضاءة هاتفي وعدلت من وضعية الجلوس على المقعد لألتفت إلى الكابتن جون الذي يبدو أنه سيعطيني درساً جديداً في الحياة، فربطه لمباراة يشاهدها الكثيرون للمتعة أو "قصف جبهة زميله المدريدي"، بأسلوب حياته جعلني مجبراً على الاستماع له.

ليكمل جون حديثه بدون مقاطعة مني...

جون: يا فندم.. إرادة ربنا فوق كل شيء، لكن ربنا مش هايدي حاجة لحد هو مش عايزها ولا بيسعى ليها، ربنا حط جوه كل واحد مننا حاجة تميزه زي اللاعيبة دي بالظبط، لكن الفرق أنهم اكتشفوا نفسهم وأحنا مش مكلفين نفسنا نعرف أحنا نقدر نعمل إيه.

العبد الفقير لله: "يكتفي بالمتابعة"

جون: كلنا بندور على الفلوس علشان نعرف نعيش في الغلاء اللي أحنا فيه ده، لكن ممكن يكون أدامك طريق سهل وحلال وتقدر بس أحنا بندخل في الصعب علشان مش عارفين أحنا بنعرف نعمل إيه، لو كل واحد فينا دور جوه نفسه هايوصل بسهولة، ربنا مش بيحرم حد من حاجة هو عايزها إلا لو فيها شر لينا.

انتهى جون من حديثه، فعدلت وضعيتي مرة أخرى ونظرت إلى مياة النيل أفكر فيما قيل لي من كلمات، أتدبر في معلومة وصلت لشخص دون أي قصد آخر فنظر لها بنظرة أخرى قد تمنحه تغيراً في أسلوب حياته، والتفكير ظل مستمراً معي طيلة رحلتي التي أمتدت لساعات طويلة، أفلا يتدبر الخلق؟

للتواصل مع الكاتب عبر فيسبوك اضغط هنا

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر اضغط هنا