شاهد كل المباريات

إعلان

عبد القادر سعيد

هل تؤمن بوجود حياة بعد كأس العالم؟

جميع الاراء المنشورة تعبر فقط عن رأي كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع

رفع مبابي ورفاقه كأس العالم الذهبية التي عكست أضواء ملعب لوجنيكي البراقة فأضاءت سماء موسكو مثل شمس ساطعة، تعالى الضجيج في أنحاء العالم حتى وصل إلى ذورته في باريس، وبعد سويعات قليلة سكن كل شيء، تماماً كالجثث التي همدت في الشوارع الفرنسية التي أصبحت مثل ساحات لإعدام بعد تنفيذ الأحكام، لا تحوى سوى حطام ورماد وأثار.

حل صمت مُطبَق في كل الأرجاء، الجميع يشعر بتشبع وتُخمة من الوجبة الدسمة التي تناولها بشكل شبه يومي على مدار 30 يوماً في القارة الروسية مترامية الأطراف الحاضنة لمراسم وفعاليات عيد كُرة القدم الذي يأتي مرة كل 4 أعوام.

تحولت البهجة والأفراح، إلى حيرة وأتراح، كثيرون يمقتون فترة الراحة الصيفية، فتوقف الكُرة عن الدوران وانحصارها في المخازن داخل شباك خانقة أشبه بتلك التي يصطادون بها السمك ليضعون حداً لحياته قبل أن يفترسونه بنهم، تكاد تقتل الكُرات الجلدية نفسها، فما بالك بالدم الذي تجمد في عروق تعتلي لحم يكسو عظاماً تحمل عقلاً لا يطيق حياته بدون تلك القطعة المستديرة.

وقب الظلام على العالم فجأة مع اختفاء الكُرات مُرتفعة الأثمان في بلاد ما وراء البحر المتوسط، ففي الشمال تُعزي أوروبا نفسها باقتراب انطلاق الموسم الجديد في الدوريات الأعظم على وجه الأرض، أما الجنوب فلا عزاء، لأن استئناف الموسم سيزيد الآلام ويُقلب المواجع، مثل إناء ساخن للغاية يوضع فجأة داخل ثلاجة حتى يتصلب ويتجمد كأنك سلبته الشعور بكل شيء.

ربما في أوروبا يؤمنون بوجود حياة أخرى بعد كأس العالم، الدوري الإنجليزي مثلاً هو أحد الأعياد التي تنتظر كرة القدم بدايتها كل صيف، وأيضاً هناك في إسبانيا لا تتوقف التحديات والرهانات على الأبطال، حتى الجنة القديمة المهجورة بدأت تكشف أراضيها عن مروج خضراء نمت للتو استعداداً للعودة بعد أن استقطبت أفضل لاعب في العالم لتطأها أقدامه، فرنسا وألمانيا، حتى في هولندا وتركيا وبلجيكا واليونان، الجميع يُعزي نفسه باقتراب المحافل المحلية.

أما في مصر فالغيمة مستمرة، والحالة ضنك، لا أحد يعرف متى وأين يلعب فريقه، لا أحد يمكنه حضور مباريات فريقه، لا أحد يمكنه مشاهدة مباريات فريقة بجودة تصل لـ10% مما رآه في كأس العالم، لا تقنية فيديو، لا قوانين صارمة، لا لوائح حاسمة، لا شيء على الإطلاق، لا شيء سوى النزاعات الإلكترونية المُعتادة التي انتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي بعد تصفيد بوابات الملاعب بالجنازير الصدئة.

انقشع الستار الذي يخفي وراءه قُبحاً محلياً أصبح الاعتياد عليه ضرورياً مثل شربة دواء مُر، وراح غنج كأس العالم بكل ما حواه، حتى الألم الجزئي الذي شعر به المصريون بعد صفرهم المُعتاد زال سريعاً بعد أن قدمت بطولة روسيا فصول أكبر وأهم من الإثارة والمتعة.

وإذا كانوا هناك في الشمال يؤمنون أشد الإيمان بوجود حياة بعد المونديال في دورياتهم وبطولاتهم القارية، فإن الأغلبية العظمى هنا في الجنوب الحزين ضجرون مُجبرون على الإذعان لبطولتهم المجانية رديئة الصورة التلفزيونية خالية الملاعب باهتة اللون وعديمة الطعم، مُلتاعون يضربون كفوفهم حسرةً على الانتقال بالطبق الساخن الممتع إلى مرحلة التجميد التي يعقبها فقدان الشعور والإحساس حتى يتقنون فن اللامبالاة!

0

إعلان

أخبار تهمك

إعلان

إعلان

التعليقات